كتاب نهاية الأرب في فنون الأدب ـ العلمية (اسم الجزء: 29)
"""""" صفحة رقم 144 """"""
وأعطاه نفقة ، وأجرى عليه جراية ، وقال يكون في الصحبة نتبرك به . ثم عزم على أخذ قطعة من النعل تكون عنده . قال بعد ذلك : فلما عزمت على ذلك بت مفكراً ، وقلت : إن فعلت هذا فعل غيري مثله ، فيتسلسل الحال ويؤدي إلى استئصاله . فرجعت عن هذا الخاطر . وتركته لله ، وقلت : من ترك شيئاً لله عوضه الله خيراً منه . ثم أقام النظام عندي شهوراً ومرض ، وأوصى لي بالنعل ، ومات وأخذته بأسره .
ولما اشترى دار قايماز النجمي ، وجعلها دار حديث ، ترك النعل فيها ، ونقل إليها الكتب الثمينة ، وأوقف عليها الأوقاف . وعمر غيرها من الأماكن الشريفة : منها مسجد أبي الدرداء بقلعة دمشق - بناه وزخرفه - وكان غالب إقامته به . والمسجد الذي عند باب النصر ، وجامع العقيبة ومسجداً خارج باب الصغير ومسجد القصب خارج باب السلامة ، وجامع بيت الآبار . ووقف على ذلك الأوقاف الكثيرة . وزاد وقف دار الحديث النورية .
هذا وتربته بالكلاسة بدمشق ، وتربة والدته بالقرافة بمصر . وبني أيضاً ببلاد الشرق وخلاط خانات السبيل .
وكان - رحمه الله تعالى - حسن الظن بالفقراء ، يحسن إليهم ويزورهم ويتفقدهم بالمال والأطعمة . وكان في ليالي شهر رمضان لا يغلق باب قلعة دمشق ، ويرسل في الليل جفان الحلو إلى الجامع والزوايا والربط ، ما قرب منه وما بعد .
وكان ابتداء مرضه في شهر رجب ، سنة أربع وثلاثين وستمائة ، مرضين مختلفين في الأعالي والأسافل . وكان الحرائحي يخرج العظام من رأسه ، وهو يسبح الله ويحمده ثم اشتد به الذرب ، فلما يئس من نفسه قال لوزيره - جمال الدين بن جرير - : في أي شيء تكفنني ؟ فقال : حاشاك فقال دعني من هذا ، فما بقي في قوةٌ يحملني أكثر من نهار غد ، وتواروني . فقال في الخزانة تصافي . فقال : حاش لله أن أكفن من هذه الخزانة .
وقال : لعماد الدين بن موسك أحضر لي الوديعة . فقام ، وعاد وعلى رأسه مئزر صوف أبيض تلوح منه الأنوار ، ففتحه وإذا فيه خرق الفقراء وطواقي الأولياء ، وفيه إزار عتيق ما يساوي خمسة قراطيس . فقال يكون هذا على جسدي أتقى به حر