كتاب نهاية الأرب في فنون الأدب ـ العلمية (اسم الجزء: 29)

"""""" صفحة رقم 145 """"""
الوطيس ، فان صاحبه كان من الأبدال وكان حبشياً ، أقام بحبل الرها يزرع قطعة زعفران يتقوت بها ، وكنت أصعد إليه وأزوره ، وأعرض عليه المال فلا يقبله ، فسألته شيئاً من أثره أجعله في كفني ، فأعطاني هذا الإزار ، وقال قد أحرمت فيه عشرين حجة . وكان آخر كلامه : لا إله إلا الله . ثم مات في التاريخ المذكور .
قال أبو المظفر : ولما أحس بوفاته في آخر سنة أربع وثلاثين ، قلت له : استعد للقاء الله فما يضيرك ، قال : لا والله بل ينفعني . ففرق البلاد ، وأعتق مائتي مملوك وجارية . ووقف دار فرخشاه ، التي يقال لها دار السعادة ، وبستان النيرب على ابنته . وأوصى لها بجميع الجواهر .
قال أبو المظفر : وحكى لي الفقيه محمد اليوناني ، قال : حكى لي فقير صالح من جبل لبنان ، قال : لما مات الأشرف رايته في المنام وعليه ثياب خضر ، وهو يطير بين السماء والأرض ، مع جماعة من الأولياء . فقلت له يا موسى ، إيش تعمل مع هؤلاء ، وانت كنت تفعل في الدنيا وتصنع ؟ فالتفت إلي وتبسم ، وقال : الجسد الذي كان يفعل تلك الأفاعيل تركناه عندكم ، والروح التي كانت تحب هؤلاء قد صارت معهم - رحمه الله تعالى .
ذكر ملك الملك الصالح عماد الدين إسماعيل - ابن الملك العادل - دمشق ، ووصول الملك الكامل إليها وحصار دمشق وأخذها وتعويض الصالح عنها
لما مات الملك الأشرف : مظفر الدين موسى - رحمه الله تعالى - ملك دمشق بعده - بوصية منه - أخوه الملك الصالح : عماد الدين إسماعيل ، الملقب بأبي الخيش وإنما لقب بذلك ، لأنه - فيما حكى عنه - كان يملأ خيشة تبناً ويبيتها في الماء ، ثم يطعنها برمحه فيرفعها عليه . فلقب بذلك .
ولما انفصلت أيام عزاء الملك الأشرف ، ركب الملك الصالح إسماعيل بشعار السلطنة ، وترجل الناس في ركابه ، وأسد الدين شيركوه صاحب حمص إلى جانبه ، وحمل الأمير عز الدين أيبك - صاحب صرخد - الغاشية بين يديه . ثم عاد كل منهما

الصفحة 145