كتاب نهاية الأرب في فنون الأدب ـ العلمية (اسم الجزء: 29)

"""""" صفحة رقم 149 """"""
القيان . وكان حسن الإعتقاد في السنة . وكان جهوري الصوت ، وله هيبة عظيمة في قلوب الرعايا والخواص . وعمر قاعة بقلعة الجبل ، يجلس فيها مع الفقهاء والصالحين في شهر رمضان ، سماها قاعة رمضان . وهي الآن من جملة الخزائن السلطانية .
ذكر ما اتفق بدمشق بعد وفاة السلطان الملك الكامل في هذه السنة
لما توفي الملك الكامل اجتمع الأمراء ، وهم : سيف الدين علي بن قليج ، وعز الدين أيبك ، وركن الدين الهيجاوي ، وعماد الدين ، وفخر الدين : ابنا شيخ الشيوخ ، وتشاوروا في أمر دمشق ، وانفصلوا عن غير شيء . وكان الملك الناصر داود بدار أسامة ، فأتاه الركن الهيجاوي ليلا ، وبين له وجه الصواب . وأرسل إليه أيبك المعظمي يقول له : أخرج المال ، وفرقه في مماليك أبيك والعوام ، فهم معك ، وتملك البلد ، ويبقى هؤلاء بالقلعة محصورين . فلم يتفق ذلك .
ثم اجتمع هؤلاء الأمراء بالقلعة في يوم الجمعة ، وذكروا الملك الناصر داود ، والملك الجواد مظفر الدين : يونس بن مودود بن الملك العادل . وكان فخر الدين بن الشيخ يميل إلى الملك الناصر ، وعماد الدين يكرهه فأشار عماد الدين بالملك الجواد ، ووافقه الأمراء ، وقالوا لفخر الدين بن الشيخ : ما تقول فيه ؟ فقد اتفق الأمراء عليه . فقال : المصلحة أن نولي بعض الخدام نائباً عن الملك العادل : ابن أستاذنا الملك الكامل ، فمتى شاء عزله وإن رضي أبقاه ، ولا تولوا من بيت الملك فيتعذر عزله ويستقل بالملك .
وبلغ ذلك الملك الجواد فجاء إليه ، وتحدث معه ، وذكر له سالف صحبة ومودة ، وترفق له ووعده أن يعطيه إقطاع مائة وخمسين فارساً ، وعشرة آلاف دينار . فقال : والله لا وافقت إلا على ما فيه مصلحة لابن أستاذي . فلما يئس منه ، فرق ضياع الشام على الأمراء وخلع عليهم ، وأعطاهم ما في الخزائن - وكان بها تسعمائة ألف دينار . وتوجه فخر الدين بن الشيخ إلى الديار المصرية ، ومعه جماعة من الأمراء ، بعد أن تردد إلى الملك الناصر مراراً ، وهو بالقابون .
واستقر أمر الملك الجواد في يوم الجمعة . وأرسل الأمراء الأمير ركن الدين الهيجاوي إلى الملك الناصر داود - وهو في دار أسامة - فأمره بالخروج إلى مملكته بالكرك . فقام وركب ، وقد اجتمع الناس من باب داره إلى القلعة ، وهم لا يشكون أنه

الصفحة 149