كتاب نهاية الأرب في فنون الأدب ـ العلمية (اسم الجزء: 29)

"""""" صفحة رقم 172 """"""
فلما كان في بعض الليالي ، ضرب بوق النفير ، وقيل جاء الفرنج إلى الظهر . فركب الناس وركب مماليك الملك الصالح ووصلوا إلى سبسطية . فجاء عماد الدين والظهير والعسكر إلى الدار التي بها الملك الصالح ، ودخل الظهير عليه ، وقال له : تتوجه إلى الكرك ، فإن ابن عمك له بك اجتماع . وأخذ سيفه . وكانت جاريته حاماً ، فأسقطت . وأخذوه ، وأركبوه بغلة ، بغير مهمازٍ في رجله ، ولا مقرعةٍ في يده - وذلك في ليلة السبت ، لثمانٍ بقين من شهر ربيع الأول - وتوجهوا به حتى وصلوا إلى الرية .
قال أبو المظفر : إن الملك الصالح أخبره ، قال : إلى الرية في ثلاثة أيام ، والله ما كلمت أحداً منهم كلمة ، ولا أكلت لهم طعاماً ، حتى جاء خطيب الرية ومعه بردة وعليها دجاجة ، فأكلت منها - قال : وأقاموا بالرية يومين ، وما علمت المقصود بي ما هو ؟ وإذا هم يريدون أن يأخذوا طالعاً نحساً ، يقتضى أن لا أخرج من الكرك . ثم أدخلوني الكرك ليلا ، على الطالع الذي كان سبب سعادتي . ووكل بي الناصر مملوكاً له فظاً غليظاً ، يقال له زريق وكان أضر علي من كل ما جرى .
قال : فأقمت عندهم إلى شهر رمضان ، سبعة أشهر - يعني من سنة سبع وثلاثين . وحكى الملك الصالح له ما ناله من الضائقة والشدة والإهانة شيئاً كثيراً .
ولما توجهوا به إلى الكرك ، جهز الوزيري خزانته ونساءه ، وخيله وأسبابه ، إلى الصلت . وعاد مماليك الملك الصالح فلم يجدوه ، فتفرقوا وأما عسكره الذي فارقه من منزلة القصير - فانهم توجهوا إلى دمشق . فمنعهم الصالح من الدخول إليها ، وقال : هذه بلد الملك العادل فلا تدخلوها إلا بإذنه . ثم استخدم بعد ذلك جماعةً منهم ، وطرد طائفةً واعتقل طائفة .
وزينت مصر والقاهرة للقبض على الملك الصالح شهراً . وعملت والدة الملك العادل الوليمة التي ذكرناها . وأرسلت القاضي الشريف شرف الدين موسى ، والعلاء بن النابلسي ، إلى الملك الناصر ، بقفص حديد ، ليجعل فيه الملك الصالح ، ويرسله معهما إلى الديار المصرية وبذلت فيه للملك الناصر مائة ألف دينار . وكاتبه الصالح إسماعيل وصاحب حمص ، في إرساله إلى دمشق . وبذل الصالح إسماعيل فيه للناصر ربع دمشق .

الصفحة 172