كتاب نهاية الأرب في فنون الأدب ـ العلمية (اسم الجزء: 29)

"""""" صفحة رقم 173 """"""
فما أجاب الناصر إلى ذلك .
وقيل : كان السبب في امتناع الملك الناصر من تسليمه ، لمن بذل فيه ما بذل ، أن الصالح أيوب كان قد أرسل جمال الدين بن مطروح - الكاتب - إلى الخوارزمية في الحضور إليه ، لمحاصرة دمشق . فتوجه لذلك . فلما قبض على الصالح ، أرسل ابن مطروح رسولاً على النجب إلى الملك الناصر ، يقول له : إن فرط في الملك الصالح أمرٌ ، فاعلم أن الخوارزمية لا يبقون لك في البلاد قعر قصبة ، فقد حلفوا على ذلك .
وقيل إن والدة الملك الناصر اهتمت بأمر الملك الصالح ، وخدمته أتم خدمة ، وتولت ذلك بنفسها ، وكانت تطبخ له بيدها . وحلفت على ولدها أنه إن فعل به ما يكره ، لا أقامت عنده . وقالت له : ما ملكنا البلاد ، وجعلنا في هذا الحصن إلا والده - تعنى : الملك الكامل . فتوقف عن إرساله . والله أعلم .
ذكر إطلاق الملك الصالح من الاعتقال بالكرك ، وما كان من أمره إلى أن ملك الديار المصرية
قال : ولما كان في أواخر شهر رمضان ، استشار الملك الناصر داود الأمير عماد الدين بن موسك ، وابن قليج ، والظهير ، في أمر الملك الصالح . فوقع الاتفقا على تحليفه وإخراجه . فاجتمع الناصر والصالح وتحالفا ، وأفرج عنه وذلك في أواخر شهر رمضان ، سنة سبع وثلاثين وستمائة . ولما أخرجه الناصر من اعتقاله ، ركبه بالكرك بشعار السلطنة ، وحمل الغاشية بين يديه ، وأظهر الناصر الخلاف على الملك العادل .
وحكى عماد الدين بن شداد - في سبب خلاص الملك الصالح - أن الملك العادل كان قد حلف الناصر ، وحلف له على الاتفاق واجتماع الكلمة على قتال الملك الصالح ، وأن تكون دمشق إذا فتحت للملك الناصر . فلما اتفق هجوم الملك الصالح إسماعيل على دمشق ، وأخذها ، أرسل إليه الملك العادل يصوب رأيه ، ويشكر فعله . فعظم ذلك على الملك الناصر ، وكان سبب خلاص الملك الصالح .
وحكى أبو المظفر يوسف سبط ابن الجوزي ، في كتابه : مرآة الزمان أن الملك الصالح نجم الدين أيوب أخبره - بعد أن ملك الديار المصرية - قال : حلفني الناصر على أشياء ، ما يقدر عليها ملوك الأرض ، وهو أن آخذ له دمشق ، وحمص ، وحماه وحلب ، والجزيرة والموصل وديار بكر ، وغيرها ، وأن يكون له نصف الديار المصرية ،

الصفحة 173