كتاب نهاية الأرب في فنون الأدب ـ العلمية (اسم الجزء: 29)
"""""" صفحة رقم 178 """"""
عياناً ، فاستدعاه ، وهو في مجلس الشراب ، فحضر إليه . فلما رآه قام إليه ، وناوله هناباً مملوءاً خمراً . فولى القاضي جمال الدين المصري ورجع ، فغاب هنيهة ، ثم عاد وقد خلع ثياب القضاء : الطرحة والبقيار والفوقانية ، ولبس قباءً ، وتعمم بتخفيفه وحمل منديلا . ودخل على الملك المعظم في زي الندماء . وقبل الأرض ، وتناول الهناب من يده وشرب ما فيه . ونادم المعظم فأحسن منادمته فأعجبه . واعتذر من قراره أنه ما كان يمكنه تعاطي ذلك ، وهو في زي القضاة . فاغتبط الملك المعظم به .
ولما انقضى مجلس الشراب ، ورجع المعظم إلى حسه ، علم أنه لا يجوز له أن يقره على ولاية القضاء - وقد شاهد من أمره ما شاهد . ففوض القضاء للقاضي شمس الدين الخويي ، وخلع عليه . وجلس للحكم بين الناس ، وأحسن السيرة . وانقطع عن مجلس الملك المعظم وحضوره ، إلا في أوقات المواكب ، على عادة القضاة .
واستمر على ذلك مدة . ثم ذكره الملك المعظم واشتاق إلى منادمته ، وسماع قانونه . فاستدعاه وتحدث معه ، واستوحش منه . ثم كلمه في الحضور إلى مجلس الأنس معه ، في بعض الأوقات ، وأنه لا يخليه منه جملةً ، وتلطف به في ذلك . فأجابه عن ذلك ، بأن قال : إذا أمر السلطان - أعزه الله بهذا - امتثلت أمره ، وفعلت . ولكن يكون هذا بعد عزلي عن منصب القضاء والحكم بين الناس ، وتولية قاضٍ غيري . فإنني لا أجمع بين منصب القضاء وما يضاده أبداً ، لما يترتب على ذلك من فساد عقود أنكحة المسلمين ، ويتعلق ذلك بذمة السلطان . فإن أحب السلطان ذلك ، فليول قاضٍ غيري .
فأعجب الملك المعظم ذلك منه ، وسربه ، وقال : بل نرجح مصلحة المسلمين على غرضنا . واستقر على القضاء . وما سمع عنه بعد ولائه القضاء ما يشينه في دينه ولا يغض من منصبه - رحمه الله تعالى .