كتاب نهاية الأرب في فنون الأدب ـ العلمية (اسم الجزء: 29)

"""""" صفحة رقم 244 """"""
ثلاثمائة فارس أبطال أصحابه . وحلم بهم على الصناجق الناصرية ، رجاء أن يكون الملك الناصر تحتها ، فيظفر به . وكان الملك الناصر قد احتاط لنفسه واعتزل المعركة ، وتحيز إلى فئة . فرجع إلى الشام - وصحبه نوفل الزبيدي ، وعلى السعدي . وكان من انهزام عساكره وتمزيق جيوشه ، وقتل أتابكه ، ما نذكره في أخبار الملك المعز - جرياً على القاعدة .
وكان الأتابك شمس الدين لؤلؤ قد أسر ، فأراد الملك المعز إبقاءه ، وأشار عليه بذلك الأمير حسام الدين بن أبي علي ، وقال : لا تقتله ، فإنك تأخذ به الشام . فقال الأمير فارس الدين أقطاي : هذا الذي يقول : إنه يأخذ مصر بمائتي قناع فضربوا عنقه . وكان - رحمه الله تعالى - أرمني الجنس ، صالحا عابدا ، يأمر بالمعروف وينهي عن المنكر . وقتل وقد ناف على ستين سنة .
ولما حصلت هذه الوقعة ، تأكدت أسباب الوحشة بين الملكين : الناصر والمعز ، وثارت الفتن بينهما . وتجردت الجيوش من كل من الطائفتين مقابلة الأخرى ، إلى أن قدم الشيخ نجم الدين البادرائي رسول الخليفة ، فأصلح بين الملكين . ووقع الاتفاق على أن يأخذ الملك المعز من الملك الناصر القدس وغزة ، وجميع البلاد الساحلية ، فتسلم ذلك . وحلف كلٌ من الملكين للآخر . ثم استعاد الملك الناصر ذلك من الملك المعز ، لما التحق بها لأمراء البحرية عند هربهم من الديار المصرية ، بعد مقتل الأمير فارس الدين أقطاي - على ما نذكر ذلك - إن شاء الله تعالى . فلنذكر خلاف ذلك من أخباره .
ذكر اتصال السلطان الملك الناصر بابنة السلطان علاء الدين كيقباذ
وفي سنة اثنتين وخمسين وستمائة ، وصلت الخاتون الكبرى ، ابنة السلطان علاء الدين كيقباذ السلجقي - صاحب الروم ، وأمها ابنة السلطان الملك العادل سيف الدين أبي بكر بن أيوب - صحبة الشريف عز الدين المرتضى - وكان السلطان قد عقد نكاحها قبل ذلك ، فزفت إليه الآن . ووصلت إلى دمشق ، واحتفل لها إحتفالاً عظيماً ، وتلقاها القضاة والأكابر ، وقدموا لها التقادم الكثيرة ، وتجمل الملك الناصر لقدومها تجملاً ، لم ير الناس مثله .

الصفحة 244