كتاب نهاية الأرب في فنون الأدب ـ العلمية (اسم الجزء: 29)

"""""" صفحة رقم 248 """"""
ثم بلغه أن الملك المغيث خرج من الكرك لقصد دمشق . فخرج بعساكره في أوائل سنة سبع وخمسين ، ونزل ببركة زيزا ، وخيم بها نحوا من ستة أشهر . ثم وقع الصلح بين الملكين . وحصل الاتفاق على أن يسلم الملك المغيث إليه البحرية ، فسلم إليه من نذكره منهم .
وعاد إلى دمشق . فلما استقر بها ، بلغه أن هولاكو وصل إلى حران ، ونازلها بعساكره . فاستشار الأمراء فيما يفعله . فأشاروا عليه أن يخرج الشامي إلى ظاهر دمشق ، وصمموا على قتال هولاكو . فخرج بعسكره وخيموا بظاهر برزة . فصار نجم الدين الحاجب والزين الحافظي - وجماعةٌ معهما - يذكرون شدة عزم هولاكو ، ويعظمون أمره ، ويقولون : من الذي يلتقي مائتي ألف فارس ؟ ؟ ؟ فضعفت نفسه عن ملاقاته . ثم بلغه أن هولاكو ملك قلعة حران ، وأنه عزم على عبور الفرات إلى جهة الشام ، ومنازلة حلب . فازداد ضعفاً إلى ضعفه . فاجتمعت آراء الأمراء والعساكر أن يسيروا نساءهم وأولادهم إلى الديار المصرية ، ويقيمون هم في خدمة الملك الناصر جرائد ، ففعلوا ذلك . وبعث الملك الناصر زوجته : ابنة السلطان علاء الدين كيقباذ بن كيخسرو السلجقي صاحب الروم - وكان قد تزوج بها في سنة تسع وأربعين وستمائة - إلى الديار المصرية ، وبعث معها ولده وأمواله وذخائره . وكذلك فعل جميع أمرائه وأجناده ، وصار الجند يتوجهون بنسائهم على أنهم يوصلونهم ويرجعون ، فمنهم من يعود ، ومنهم من لا يعود . فتفللت العساكر وتفرقت الجنود ، وضعفت النفوس . ولم يبق مع الملك الناصر إلا جماعة من أمرائه جرائد .
ونازل هولاكو مدينة حلب في المحرم ، سنة ثمانٍ وخمسين وستمائة . وفتحها عنوة . وسفك فيها من الدماء ما لم يسفك مثله ، ببلاد العجم وأسر التتار من النساء والصبيان ما يزيد على مائة ألف .
ثم فتح قلعة حلب ، في حادي عشر ربيع الأول من السنة ، وأخذ جميع ما فيها . وأسر أولاد الملك الناصر وأمهاتهم . وخرج إليه الملك المعظم تورانشاه بن الملك الناصر صلاح الدين يوسف بن أيوب - وكان شيخاً كبيراً - فلم يتعرض هولاكو إليه ، وأمنه على نفسه . ومات الملك المعظم بعد أيام يسيرة . واستمر هولاكو بالوزير المؤيد بن القفطي ، على حاله .

الصفحة 248