كتاب نهاية الأرب في فنون الأدب ـ العلمية (اسم الجزء: 29)
"""""" صفحة رقم 49 """"""
ذكر مصادرة الصاحب صفي الدين بن شكر ونفيه من الديار المصرية
كان سبب ذلك أن السلطان الملك العادل ، لما قدم من الشام ، ظن الصاحب صفي الدين أنه يعيده إلى الوزارة . فصار يركب في المواكب ، ويستعرض للقاء السلطان . ثم فتح بابه وصار الناس يدخلون إليه ، والأعز وغيره يذكروه ذلك للملك الكامل . فاتفق أن الملك الكامل مر بدار الصاحب فوجد الخيل على بابه ، فقال لمن معه من الأمراء : ما هذا إلا أحمق يفتح بابه ويأمر الناس أن يدخلوا إليه ويمد السماط ، والسلطان غير راضٍ عنه . فبلغ العادل ما قاله الكامل . فقال في مجلسه : ما يكفي ابن شكر أنه أخذ مالي ، حتى أطرح جانبي بفتح بابه .
فاتصل ذلك بالصاحب ، فركب إلى القلعة ، وأراد الاجتماع بالملك الكامل - وكان الملك الكامل على الشراب . فسير إليه ، وقال ما حاجتك ؟ فإن لنا الآن شغلاً فقال : القصد أن يستخدمني السلطان ، أو يتركني أخرج من بلاده . وسأل أن يكون الكامل سفيره عند أبيه الملك العادل . فعز كلامه عليه ، وقال للرسول قل له : هذا ما لا أدخل فيه .
فعاد خجلاً ، ومضى إلى دار والدة الملك المعز مجير الدين يعقوب ، بن السلطان الملك العادل ، وتعلق بذيل ستر الباب . ووافق أن العادل كان عندها في ذلك الوقت . فعظم ذلك عليه . لكونه قصد زوجته ، وأراد قتله ، ثم سكن ، وأرسل إلى الملك الكامل يقول : إن ابن شكر أخذ مني وأنا على سنجار ستمائة ألف دينار ، فطالبه بها .
فأحضره الملك الكامل في مجلس شرابه ، ووبخه ، وأمر بأخذ أملاكه وحسبها له ، بستمائة ألف دينار . ثم حضر جماعة بعد ذلك إلى الملك الكامل ، فقالوا : هذا كان في ابتداء أمره قطاناً ، فمن أين له هذا المال ؟ فقال ابن التبني : أنا صانعته عن نفسي بمائتي ألف دينار ، وصانعه شهاب الدين بن الفاضل بثلاثمائة ألف دينار . فنقل المجلس إلى الملك العادل ، وذكر له من أخذ منه المصانعات ، فأمر بنفيه .
فاستمهل إلى أن يبيع موجوده ، فأذن له . فشرع في بيع موجوده إلى أن كمل ثم أرسل إليه السلطان يقول : أخرج من بلادي إلى بلد ، لا تقام لي فيه خطبة . فخرج من القاهرة في يوم الخميس ، لخمس بقين من جمادى الآخرة من السنة . فلما وصل إلى بلبيس أمر السلطان الملك العادل بتعويقه ، وأخذ منه مالاً ووكل به أياماً ببلبيس ثم أطلقه فتوجه إلى آمد .