كتاب نهاية الأرب في فنون الأدب ـ العلمية (اسم الجزء: 29)

"""""" صفحة رقم 53 """"""
وقيل كان مولده ببعلبك ، لما كان والده في خدمة الملك العادل : نور الدين الشهيد .
ومدة ملكه تسع عشرة سنة ، وأربعين يوماً . ولما مات لم يشعر بوفاته غير كريم الدين الخلاطي . وكان ولده الملك المعظم عيسى بنابلس . وكان قد التقى مع الفرنج على القيمون في هذا الشهر ، فانتصر عليهم ، وقتل منهم مقتلاً عظيمة ، وأسر من الداوية مائة فارس ، وأدخلهم القدس منكسةً أعلامهم . وأقام بنابلس . فكتب إليه على جناح طائر يعلمه بالخبر ، فجاء يوم السبت إلى عالقين . فاحتاط على الخزائن ، وصبر أباه العادل وكتم موته ، وجعله في محفة ، وعنده خادم يروح عليه ، ورفع طرف سجاف المحفة وأظهر أنه مريض . ودخلوا به إلى دمشق في يوم الأحد ، والناس يشيرون إلى من بالمحفة بالخدمة والسلام ، والخادم يوميء إلى جهة السلطان ، كأنه يخبره بمن يسلم عليه ، ودخلوا به إلى قلعة دمشق .
قال الشيخ شهاب الدين أبو شامة ، وشمس الدين أبو المظفر سبط ابن الجوزي ، في تاريخهما : ومن العجائب أنهم طلبوا له كفناً فلم يقدروا عليه ، فأخذوا عمامة النجيب الفقيه ابن فارس فكفنوه بها ، وأخرجوا قطناً من مخدة فلفوه به ، ولم يقدروا على ما يحفرون به ، فسرق كريم فأساً من الخندق فحفروا له به . ودفن بقلعة دمشق ، إلى أن بني له القبة المجاورة لمدرسته ، فنقل إليها في سنة تسع عشرة وستمائة . وحصل لابنه الملك المعظم وهمٌ ، فلما دفن السلطان قام قائماً ، وشق ثيابه ولطم على رأسه ووجهه . واشتهرت وفاته بعد دفنه . وعمل عزاؤه ثلاثة أيام ، وصلى عليه في غالب مدن الإسلام . ونودي ببغداد : من أراد الصلاة على الملك العادل الغازي ، المجاهد في سبيل الله ، فليحضر إلى جامع القصر . فحضر الناس وصلوا عليه صلاة الغائب . ولم يتأخر غير الخليفة . وتقدموا إلى خطباء الجوامع بأسرهم ، فصلوا عليه بعد صلاة الجمعة .

الصفحة 53