كتاب نهاية الأرب في فنون الأدب ـ العلمية (اسم الجزء: 29)
"""""" صفحة رقم 60 """"""
ابن شكر من آمد ، وكان السلطان قد استدعاه . فلما قدم ، ركب إليه وتلقاه وأكرمه وذكر له السلطان ما يحتاج إليه من الأموال والكلف ، فالتزم له بتحصيل ذلك . وشرع في مصادرات أرباب الأموال والتجار والأكابر . وقرر التبرع على الأملاك ، وأحدث حوادث كثيرة . وجبي الأموال ، حتى من الساسة والصوانع والمغاني ومعلمي المكاتب ، وغيرهم .
واستهلت سنة ست عشرة وستمائة
: في مستهل المحرم منها ، أمر السلطان بخروج أهل مصر والقاهرة ، لقتال الفرنج . فخرج الناس . وأقام الصاحب بالقاهرة إلى سابع عشرين من شهر رمضان ، سنة ست عشرة . فاستدعاه السلطان واستوزره ، وصرفه . واحتجب الملك الكامل من الناس بعد ذلك . وكان قبل ذلك يركب بنفسه ، ويستحث العوام على جهاد الفرنج .
ذكر خراب القدس
كان ابتداء الخراب بالقدس في بكرة يوم الأحد سابع المحرم ، سنة ست عشرة وستمائة .
وسبب ذلك أن الملك المعظم لما توجه إلى أخيه الملك العادل ، بلغه أن طائفة من الفرنج قد عزموا على قصد القدس . فاتفق مع جماعة من الأمراء على إخرابه . وقال : قد خلا الشام من العساكر ، فلو أخذه الفرنج حكموا على دمشق وبلاد الشام . فأمر بإخرابه . وكان بالقدس الملك العزيز عثمان ، وعز الدين أيبك أستاذ الدار .
ووقع في البلد ضجة عظيمة . وخرج الناس أجمع ، حتى البنات المخدرات والعجائز والشيوخ وغيرهم ، إلى الصخرة والأقصى ، فقطعوا شعورهم ومزقوا ثيابهم . وخرجوا على وجوههم وتركوا أموالهم . وامتلأت بهم الطرقات ، فمنهم من توجه إلى الديار المصرية ، ومنهم من توجه إلى الكرك ، وبعضهم إلى دمشق . وصار البنات المخدرات يمزقن ثيابهن ، ويلففنها على أرجلهن ، من الحفا . ومات خلق كثير من الجوع والعطش . ونهب ما كان لهم بالقدس ، حتى بيع القنطار الزيت بالقدس بعشرة دراهم ، ورطل النحاس بنصف درهم .
وأكثر الشعراء القول في ذلك ، فقال بعض أهل العلم - يشير إلى الملك المعظم - من أبيات :
في رجبٍ حلّل الحميّا . . . وأخرب القدس في المحرّم