كتاب نهاية الأرب في فنون الأدب ـ العلمية (اسم الجزء: 29)

"""""" صفحة رقم 63 """"""
والمعاجين والعقاقير ، في كل سنة بألوف دنانير ، وتفرقها على الناس . وكانت ست الشام ، وأختها ربعية خاتون ، محرماً على نيف وثلاثين ملكاً وسلطاناً .
وكان الملك المعظم يتهمها أن عندها من الجواهر ما لا يحصى قيمته . وأن ذلك اتصل إليها مما كان بالقصور بالقاهرة . وكان كثير الإحسان إليها والبر بها ، ويمنعها من الخروج من دمشق ، ويظهر أن ذلك برأيها . ويرجو وفاتها عنده ، ليستولي على أموالها وأملاكها ، فاتفقت وفاتها وهو بالصيد .
ولما مرضت ، جاء وكيلها ابن الشيرجي إلى قاضي القضاة : زكي الدين ، وطلبه إليها بدارها . فأخذ معه أربعين عدلاً من أعيان دمشق ، فشهدوا عليها أنها أوقفت أملاكها على مدرستها ، ووجوه البر وأنواع القربات ، وجعلت دارها مدرسة ووقفت عليها وقوفاً ، وأبرأت جواريها وخدمها ووكلاءها . وماتت بعد ذلك . وأسندت وصيتها إلى القاضي . فعاد السلطان من الصيد ، فوجد الأمر قد مضى على ذلك . فتألم لوقوعه ، وأنكر على القاضي ، وقال : يحضر إلى دار عمتي من غير إذني ، ويسمع كلامها ، هو والشهود .
ثم اتفق بعد ذلك أن القاضي طلب جابي أوقاف المدرسة العزيزية - وهو سالم بن عبد الرازق ، خطيب عقرباً - أخو المؤيد العقرباني - وطلب منه حسابها ، فأغلظ له في القول . فأمر القاضي بضربه ، فضرب بين يديه ، كما تفعل الولاة .
فوجد الملك المعظم سبيلا إلى إظهار ما عنده ، فأرسل إلى القاضي بقجة ، وهو في مجلس حكمه ، وفي مجلسه الجمال المصري وكيل بيت المال ، وجماعة كثيرة من العدول والمتحاكمين ، فجاءه الرسول ، وقال للقاضي : السلطان يسلم عليك ويقول لك : الخليفة - سلم الله عليه - إذا أراد أن يشرف أحداً من أصحابه خلع عليه من ملابيسه ، ونحن نسلك طريقه وقد أرسل إليك من ملابيسه ، وأمر أن تلبسها في مجلسك هذا ، وأنت تحكم بين الناس . وكان الملك المعظم أكثر ما يلبس قباءً أبيض ، وكلوتة صفراء . وفتح الرسول البقجة . فلما نظر القاضي إلى ما فيها وجم .

الصفحة 63