كتاب نهاية الأرب في فنون الأدب ـ العلمية (اسم الجزء: 29)
"""""" صفحة رقم 67 """"""
النار إحداق الإجفان بالأحداق واستدار عليهم اللهب استدارة الأطواق بالأعناق . وتلا لهم لسان القدر : ما عندكم ينفد وما عند الله باق .
وزحفت الخطوب إليه زحفا ، وصار للوقت دكاً دكا . والناس حوله صفاً صفا . ولسان النار يقول : هل من مزيد ؟ ومدامع الخلق تهمى وتزيد ، فعلت الأصوات عند ذلك بالدعاء ، وكاد اللهب يخمد من جريان ماء البكاء ، وشهد الناس منه اليوم المشهود . وهبت الأرياح فلم تخمد للأرواح ضراما ، وخالفت هذه النار نار الخليل ، فلم تعقب برداً وسلاما فكل مالكٍ لموضع صار فيه مالكا . وكل ذي حال حسنة حاله حالكا . فمن فائزٍ بنفسه دون نفائسه ، ومن راغبٍ في هربه لشدة رهبه ، ومن آبقٍ بمرده دون أهله وولده . قد لزم كل منهم ما يعنيه ، وعمل بقوله عز وجل : يوم يفر المرء من أخيه وأمه وأبيه وصاحبته وبنيه ، لكل امريءٍ منهم يومئذ شأن يغنيه . فإنا لله وانا إليه راجعون ، ولأمره طائعون . لا صادق لمصادف قضائه ، ولا صارف لصرف بلائه . لم يبق هذا المصاب لهؤلاء القوم جلدا ، ولم يؤخر عنه حزنا ولا كمدا . وكل أحد منهم يقول : أهلكت مالاً لبدا . فكم من كريم كان يجزل الهبات فصار جديرا بأن يتصدق بها عليه . وكم من ممولٍ كان يؤدى الزكاة فصار مستحقاً بأن تصرف إليه . كانوا أعزاء في الغربة بأموالهم ، فصاروا أذلاء في المواطن لإقلالهم . لم يخلص لهم إلا النزر اليسير ، والشيء الحقير ، والقليل من الكثير مقدار أزوادهم إلى مواطنهم ، وكفافهم إلى وصول مساكنهم .
هذا ، ولم يعلم السبب في وقوع النار . فقال قوم : صاعقةٌ سمائية ، وقال قوم : آفةٌ أرضية . وتزاحمت في ذلك الظنون ، وعند الله من علمه السر الكنون . إلا أن المملوك أرسل عليه من الماء طوفانا ، وأجرى إليه بحارا - ولا أقول غدرانا - إلى أن عاد غريقاً بعد ما كان حريقا ، وصار موردا بعد ما كان موقدا . وأصبح ماء ثجاجاً بعد ما كان سراجاً وهاجا . وعلموا أن المدفوع من بلاء الله أعظم ، وقرأوا : ولكن الله سلم .