كتاب نهاية الأرب في فنون الأدب ـ العلمية (اسم الجزء: 29)

"""""" صفحة رقم 72 """"""
عبد الله اليوناني صاحب الكرامات المشهورة والرياضات والمجاهدات . وكان - رحمه الله ورضي عنه - لا يقوم لأحدٍ من الملوك ولا لغيرهم ، تعظيماً لله تعالى ، ويقول : لا ينبغي القيام لغير الله تعالى . وكان لا يمس بيده درهماً ولا دينارا ، ولا يلبس غير الثوب الخام ، وقلنسوة من جلد الماعز . ويبعث إليه بعض أصحابه في الشتاء بفروة قرظ ، يلبسها ، ثم يؤثر بها إذا اشتد البرد . وكان إذا لبس ثوباً قال : هذا لفلان وهذا لفلانة ، يوعد به ويعطيه إذا أتاه غيره .
وكان من خبر وفاته أنه دخل الحمام في يوم الجمعة واغتسل ، ولبس ثوبيه ، وكان قد سماهما لا مرأتين ، وصلى الجمعة بجامع بعلبك وهو صحيح . وجاءه داود المؤذن وكان يغسل الموتى ، فقال له : ويحك يا داود ، انظر كيف تكون غداً فلم يفهم . ثم صعد الشيخ المغارة ، وكان قد أمر الفقراء أن يقطعوا الصخرة التي عند اللورة ، التي كان ينام تحتها ويجلس عندها ، وعندها قبره . فنجزت في نهار الجمعة ، وبقي منها مقدار نصف ذراع . فقال لهم : لا تطلع الشمس إلا وقد فرغتم منها . وبات في ليلة السبت ، وهو يذكر أصحابه ومعارفه ، ويدعو لهم حتى طلع الفجر . فصلى بهم الصبح ، وخرج إلى صخرة كان يجلس عليها ، فجلس وبيده سبحة . وقام الفقراء ليكملوا حفر الصخرة ، فطلعت الشمس وقد فرغوا منها ، والشيخ قاعد وبيده السبحة . وجاء خادم من القلعة إليه في شغل ، فرآه نائما ، فما تجاسر أن يوقظه . فجلس ساعة ، فلما طال مجلسه قال لخادم الشيخ : يا عبد الصمد ، ما أستطيع أن أقعد أكثر من هذا . قال عبد الصمد : فتقدمت إليه ، وناديته : سيدي سيدي فما تكلم . فحركته ، فإذا هو ميت فارتفع الصياح .
وكان الملك الأمجد - صاحب بعلبك - في الصيد ، فأرسلوا إليه . فجاء ، فرآه على تلك الحال : لم يقع : ولا وقعت السبحة من يده ، وهو كأنه نائم فقال : نبني عليه بنياناً وهو على حاله ، ليكون أعجوبة فقال أتباع الشيخ : السنة أولى . وغسله داود ، ودفع الثوبين للمرأتين .
ولما ألحدوه ، قال له الحفار : يا شيخ عبد الله ، اذكر ما فارقتنا ، أو اذكرنا عند ربك . قال : ففتح عينيه ، ونظر إلى شزراً . ودفن رحمه الله في يوم السبت ، وقد جاوز ثمانين سنة . والأخبار عنه في الكرامات كثيرة ، قد اقتصرنا على هذه النبذة .

الصفحة 72