كتاب نهاية الأرب في فنون الأدب ـ العلمية (اسم الجزء: 29)

"""""" صفحة رقم 94 """"""
وكان الملك المعظم - رحمه الله تعالى - فقيهاً فاضلاً ، نحوياً ، قرأ القرآن وتفقه على مذهب أبي حنيفة على الشيخ فخر الدين الرازي ، وحفظ المسعودي ، واعتنى بالجامع الكبير . واشتغل بالأدب على تاج الدين الكندي ، فأخذ عنه كتاب سيبويه ، وشرحه للسيرافي ، والحجة في القراءات لأبي على الفارسي ، والحماسة . وقرأ الإيضاح لأبي علي ، حفظاً . وسمع مسند أحمد بن حنبل بدمشق على ابن طبرزد ، وأشياء من مسموعاته . وسمع السيرة لابن هشام ، وغير ذلك . وله ديوان شعر . وصنف في العروض ، وكان مع ذلك لا يقيم وزن الشعر في بعض الأوقات .
وكان شجاعاً مقداماً كثير الحيا متواضعاً ، حسن الصوت ضحوكاً غيوراً ، جواداً حسن العشرة ، محافظاً على الصحبة والمودة وكان إذا خرج إلى الغزاة لا ينام إلا على حبل طرح ، وزرديته مخدته . ولا يقطع الاشتغال بالقرآن والجامع الكبير وسيبويه . وكان يركب في كل يوم غالباً ، فإذا نزل مد السماط ، فإذا أكل الناس انتصب لقضاء الحوائج إلى الظهر .
وكان في ايام الفتح مع الفرنج يرتب النيران على الجبال ، من باب نابلس إلى عكا . وله جماعةٌ على جبل الكرمل - المقابل لعكا - عليه المنورون ، وبينهم وبين الجواسيس علامات . وله في عكا أصحاب أخبار - وأكثرهم نساء الخيالة - وكانت طاقات بيوتهم مقابلة الكرمل - فإذا عزم الفرنج على الإغارة فتحت المرأة طاقتها . فإن كان يخرج مائة فارس ، أوقدت شمعةً واحدة . وإن كانوا مائتين ، أوقدت شمعتين . وتشير بالنار إلى الجهة التي يقصد الفرنج الإغارة عليها . وكان الفرنج لا يقصدون جهة ، إلا يجدون عسكر المعظم قد سبقهم إليها . وكان يعطى النساء الجواسيس في كل فتح جملةً كثيرة .

الصفحة 94