كتاب نهاية الأرب في فنون الأدب ـ العلمية (اسم الجزء: 29)
"""""" صفحة رقم 95 """"""
قال الشيخ أبو المظفر ، يوسف سبط ابن الجوزي : قلت للملك المعظم في بعض الأيام : هذا إسراف في بيوت الأموال . فقال : أنا أستفتيك : لما أن عزم الأنبرور على الخروج إلى الشام ، أراد أن يخرج من عكا بغتة ، ويسير إلى باب دمشق ، فبعث فارساً عظيماً ، وقال له : أخف أمرنا ومجيئنا إلى البلاد لنغير بغتة . وكان بعكا إمرأة مستحسنة ، فكتبت إلي تخبرني الخبر . فبعثت إليها ثياباً ملونة ، ومقانع وعنبرا ، فلبست ذلك ، واجتمعت بذلك الفارس . فدهش ، وقال : من أين لك هذا ؟ فقالت : من عند صديقٍ لي من المسلمين . فقال : من هو ؟ فقالت : الكريدي . فصلب على وجهه ، وقام فخرج من عندها . فما زالت تلك المرأة تتلطف به ، حتى تسحب المودة بيني وبينه . فصرت أهاديه ، حتى كان يبعث إلي كتب الأنبرور التي يبعثها إليه ، مختومة . وأرسل إليه ، فيكتب ما أقول . فأنا أداري عن المسلمين بهذا القدر اليسير ، وأفدي به الخطير ، فإن الأنبرور لو جاء بغتةً ، أسر من أهل الشام ، وساق من مواشيهم وأموالهم ما لا يحصى قيمته .
وكان الملك المعظم - رحمه الله - قد أمر الفقهاء أن يجردوا له مذهب أبي حنيفة ، دون صاحبيه . فجردوا له المذهب في عشر مجلدات ، وسماه التذكرة . فكان لا يفارقه سفراً ولا حضرا ، ويديم مطالعته . ويكتب على كل مجلد : أنهاه - حفظاً - عيسى بن أبي بكر بن أيوب . قال أبو المظفر : فقلت له : ربما تؤخذ عليك ، لأن أكبر مدرس في الشام يحفظ القدوري مع تفرغه ، وأنت مشغول بتدبير الملك . فقال : ليس الاعتبار بالألفاظ ، وإنما الاعتبار بالمعاني . باسم الله ، سلوني عن جميع مسائلها .
وكان رحمه الله تعالى - حسن التدبير للملك . وكان وزيره شرف الدين بن عنين ، الشاعر الهجاء المشهور . واستعفى من الوزارة ، وكتب إلى الملك المعظم :
أقلني عثارى ، واتّخذها وسيلةً . . . تكون برحماها إلى الله راقيا
كفى حزني أن لست ترضى ، ولا أرى . . . فتىً راضياً عني ، ولا الله راضيا
أخوض الأفاعي طول دهري دائباً . . . وكم يتوفّى من يخوض الأفاعيا
فأعفاه . ولابن عنين أخبار نذكرها ، إن شاء الله تعالى - عند وفاته .
ولما مات الملك المعظم ، ملك بعده دمشق ولده : الملك الناصر صلاح الدين