كتاب نهاية الأرب في فنون الأدب ـ العلمية (اسم الجزء: 29)
"""""" صفحة رقم 99 """"""
قال : ولما وصلت الأخبار بتسليم بيت المقدس للفرنج ، عملت الأعزية في جميع بلاد الإسلام ، بسبب ذلك . وأشار الملك الناصر داود - صاحب دمشق - إلى الشيخ شمس الدين أبي المظفر : يوسف سبط ابن الجوزي ، أن يذكر ما جرى على القدس في مجلس وعظه بجامع دمشق ، ليكون ذلك زيادةً في الشناعة على عمه الملك الكامل .
فجلس ووعظ ، وقال : انقطعت عن بيت المقدس وفود الزائرين يا وحشة للمجاورين كم كانت لهم في تلك الأماكن ركعة كم جرت لهم في تلك المساكن من دمعة . بالله لو صارت عيونهم عيوناً لما وفت ، ولو انقطعت قلوبهم أسفاً لما اشتفت . أحسن الله عزاء المسلمين . يا محلة ملوك المسلمين . لهذه الحادثة تسكب العبرات ، ولمثلها تنقطع القلوب من الزفرات ، لمثلها تعظم الحسرات .
ثم أنشد قوله :
أعيني لا ترقى من العبرات . . . صلى بالبكا الآصال بالبكرات
وهي أبيات ذكر فيها البيت المقدس وفضله ، وزواره ، وما حل به من هذه الحادثة - تركنا ذكرها اختصاراً . وكان الملك الأشرف قد قال للملك الناصر داود : أنا أتوجه إلى عمك الملك الكامل ، وأصلح حالك معه . وتوجه إلى السلطان فوجده قد سلم البيت المقدس للفرنج ، فشق ذلك عليه ولامه . فقال الملك الكامل : ما أحوجني إلى هذا إلا المعظم - يشير إلى أن المعظم أعطى الأنبرور من الأردن إلى البحر ، وأعطاه الضياع التي من باب القدس إلى يافا ، وغيرها .
ولما اجتمع الملك الأشرف بالملك الكامل اتفقا على حصار دمشق . وقبض الملك الناصر على فخر الدين بن بصاقة ، وابن عمه المكرم ، واعتقلهما في الجب ، واستأصل أموالهما . وكان قد اتهم الفخر أنه حسن للأشرف الاستيلاء على دمشق .
وفي هذه السنة في آخر صفر ، فوض الملك الناصر داود القضاء بدمشق للقاضي : محيي الدين أبي الفضائل ، يحيى بن محمد بن علي بن محمد بن يحيى ، القرشي : المعروف بابن الزكي - شريكاً لقاضي القضاة : شمس الدين أحمد الخويى . وعزل