كتاب صحيح السيرة النبوية للعلي

فلم يزل ذلك يتمادى بي حتى استمر الناس بالجد، فأصبح رسول الله - صلى الله عليه وسلم - غاديًا والمسلمون معه، ولم أقض من جهازي شيئًا ثم غدوت، فرجعت، ولم أقض شيئًا. فلم يزل ذلك يتمادى لي حتى أسرعوا، وتفارط الغزو (¬1). فهممت أن أرتحل فأدركهم، فيا ليتني فعلت، ثم لم يُقدَّر ذلك لي.
فطفقت، إذا خرجت في الناس، بعد خروج رسول الله - صلى الله عليه وسلم -، يحزنني أني لا أرى لي أسوة، إلا رجلًا مغموصًا عليه في النفاق. أو رجلًا ممن عذر الله من الضعفاء. ولم يذكرني رسول الله - صلى الله عليه وسلم - حتى بلغ تبوكًا، فقال، وهو جالس في القوم بتبوك (ما فعل كعب بن مالك؟) قال رجل من بني سلمة: يا رسول الله حبسه برداه، والنظر في عطفيه (¬2).
فقال له معاذ بن جبل: بئس ما قلت. والله يا رسول الله! ما علمنا عليه إلا خيرًا، فسكت رسول الله - صلى الله عليه وسلم -. فبينما هو على ذلك رأى رجلًا مبيضًا (¬3) يزول به السراب (¬4) فقال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: كن أبا خيثمة، فإذا هو أبو خيثمة الأنصاري، وهو الذي تصدق بصاع التمر حين لمزه (¬5) المنافقون.
فقال كعب بن مالك: فلما بلغني أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قد توجه قافلًا (¬6) من تبوك، حضرني بثي (¬7)، فطفقت أتذكر الكذب وأقول: بم أخرج من سخطه غدًا؟ وأستعين علي ذلك كل ذي رأي من أهلي. فلما قيل لي: أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قد أظل قادمًا (¬8) زاح (¬9) عني الباطل. حتى عرفت أني لن أنجو منه بشيء أبدًا، فأجمعت صدقه (¬10).
¬__________
(¬1) تفارط الغزو: تقدم الغزاة وسبقوا وفاتوا.
(¬2) والنظر في عطفيه: أي جانبيه وهو إشارة إلى إعجابه بنفسه ولباسه.
(¬3) مبيضًا: لابس البياض.
(¬4) يزول به الشراب: يتحرك وينهض، والشراب هو ما يظهر للإنسان في الهواجر في البراري كأنه ماء.
(¬5) لمزه المنافقون: عابوه واحتقروه.
(¬6) توجه قافلًا: راجعًا.
(¬7) حضرني: حزني.
(¬8) أظل قادمًا: أقبل ودنا قدومه كأنه ألقى على ظله.
(¬9) زاح: زال.
(¬10) أجمعت صدقه: عزمت على صدقه.

الصفحة 485