كتاب النظريات العلمية الحديثة مسيرتها الفكرية وأسلوب الفكر التغريبي العربي في التعامل معها دراسة نقدية (اسم الجزء: 1)
من آثار وحوار وجدل، وهي في الأهمية لدرجة أن هناك من يجعلها ممثلة لثورة علمية جديدة غيّرت كثيرًا من مفهوم العلم.
وقد أحدثت هذه التطورات العلمية آثارها في الفكر المعاصر، وفتحت المجال لظهور نقاشات كبيرة، بل ظهور مذاهب خاصة بالعلم أو مجالات فلسفية تُعنى به كالإبستمولوجيا مثلًا. وبسبب الكشوف العلمية والتطورات المنهجية أعيد من جديد أهمية البحث في قيمة العلم وحدوده وإمكانياته ومجاله، وهي موضوعات كان الظن في القرن الماضي أنها قد حسمت لصالح النظرة الوضعية العلموية.
ومما رأيته مهمًا في الباب ويحتاج إلى وقفة وبحث: تلك الدراسات العلمية والمنهجية والفلسفية حول العلم وأهمها ما يدور في إطار فلسفة العلم أو الإبستمولوجيا وما تبعها من مواقف -تخالف تلك المعروفة في القرن الماضي- ترى بأن العلم له حدوده، وأن هناك مجالات أهم تتعلق بالوجود والإنسان والحياة، فإذا كان العلم لم يخدم تلك المجالات، فعلينا أن نبقيه في مجاله، ونبحث لها عن حلِّ في غيره أو أن نتجاوزه حتى وإن أدى ذلك إلى عدم الاكتراث به. وهذا مما يفسر ظهور مذاهب كثيرة ضد المادية والوضعية تمثلت في المثالية والعقلانية الجديدة والبرجسونية ومذاهب الحياة والعمل والبراجماتية والوجودية والتوماوية الجديدة والدينية والروحانيات الصوفية وغيرها. مع العلم أن أصحاب هذه المذاهب ليسوا ممن يجهل العلم ونظرياته وتطوراته وفائدته، بل إن منهم علماء في تلك العلوم.
وعن بين الظواهر الأكثر إلفاتًا في هذا الجو ميل كثير من العلماء إلى ترك الإلحاد الشائع عند أسلافهم والارتماء في أحضان مذاهب مثالية، علّهم في ذلك يجدون بعض ما يشفي غليلهم ويجيب عن تساؤلاتهم، ومنهم من أعلن إيمانًا دينيًا يتعارض مع موضة الإلحاد السائدة في السابقين.
لا شك أن مثل هذه الموضوعات مهمة لمثل هذا البحث، وهي رغم أهميتها لم تجد إلى الآن الدراسات الإِسلامية التحليلية والنقدية الكافية. وأما حدودي هنا فتقف عند إبراز أهم معالمها مما يعطي صورة مساعدة لفهم موضوعات قادمة بإذن الله.