كتاب النظريات العلمية الحديثة مسيرتها الفكرية وأسلوب الفكر التغريبي العربي في التعامل معها دراسة نقدية (اسم الجزء: 1)

لم يعتمد حكمه هناك على المسلمين السنة بسبب بقاء صلتهم في الغالب بالسلطة العثمانية، ومن أجل ذلك استخدم النصارى واليهود بصورة خاصة، ولم يكن توظيفهم آنذاك شيئًا جديدًا وإنما "الجديد في الأمر يتمثل في درجة توظيف أفرادها والمميزات التي منحت لهذه الأقليات"، وهي أمور ظاهرها السياسة ولكنها مكنت لهذه الأقليات في الدولة المسلمة (¬1)، وقد أخذ النصارى عند ذلك يُحسّنون من أوضاعهم من خلال التعلم الذي جعلهم مؤهلين لملء الوظائف التي تحتاج إلى مهارات خاصة (¬2)، ولم يكن حركة من تلك الأقليات فقط إذ صاحبها الرعاية المتصاعدة من قبل الأوروبيين لمثل هذه الأقليات.
يتحدث أيضًا "مالكولم" عن بلاد الشام في الفترة (1880 - 1914 م) فيقول: "أما بالنسبة للنصارى فقد أتيحت لهم فرص جديدة في التعليم في المدارس التبشيرية التي أنشئت لأول مرة خلال الاحتلال المصري لسورية، ثم تنامت حتى أصبحت تشكل شبكة ضخمة" (¬3)، وتعبيره بشبكة ضخمة يدل على حركة منظمة لتعليم النصارى تعليمًا قويًا في الشام، قامت به عدد من دول الغرب عبر تنافس كبير بينهم، وإذا علمنا بأن دول غربية قوية بكنائسها ودولها تتنافس على تعليم طائفة صغيرة، فالنتيجة هي وجود مجموعة قوية قادرة على اختراق
¬__________
= طائفة من الأطباء والعلماء والكتاب. . . . وأصبحت بيروت مبعث العلوم العصرية ومنشأ رجال الصحافة وكتاب الأدب والسياسة. وفي هذا الطور نبغ مؤسسو هذه النهضة. .)، ومع وصول "إسماعيل" للسلطة في مصر رغب (الناس) (النصارى) بالنزوح لمصر. . وانتهى هذا الطور بحوادث عرابي.
3 - (الطور الثالث يبدأ بالاحتلال الإنكليزي بمصر لتكاثر الوفود من أدباء السوريين في أثنائه. . . . وكان لهم شأن كبير في الحركة العلمية والمالية والصحافية، وكانت الهجرة في أول الأمر قاصرة على المسيحيين ثم تطرقت إلى المسلمين. .). انظر: تراجم مشاهير الشرق القرن التاسع عشر 2/ 166 - 168.
(¬1) نفس ما فعل والده في مصر عندما أصبح واليًا عليها حيث (فتح بابه للنصارى من الأروم، والأرمن، فترأسوا بذلك، وعلت أسافلهم). انظر: عجائب الآثار للجبرتي 4/ 150 [حوادث شهر ذي الحجة، سنة (1227 هـ)]، عن الصلابي ص 385، وانظر: نشوء الشرق الأدنى الحديث ص 168.
(¬2) انظر: نشوء الشرق الأدنى الحديث ص 147 - 157 وبخاصة ص 151، وانظر: الدولة العثمانية، د. علي الصلابي ص 140.
(¬3) نشوء الشرق الأدنى ص 224.

الصفحة 570