كتاب النظريات العلمية الحديثة مسيرتها الفكرية وأسلوب الفكر التغريبي العربي في التعامل معها دراسة نقدية (اسم الجزء: 1)

على اجتذاب البارزين والمشاهير وقيادات المجتمع في تلك الفترة -فترة التحديث والنهضة وفترة الاهتمام بالعلوم العصرية- فإنه يأتي وقت البحث عن أثرها في الفكر الحديث عمومًا وطلب العلوم العصرية خصوصًا؛ إذ في الغالب ما يرتبط التأثير بالشهرة.
لا نستغرب من سرعة انتشارها وتوسعها وجذبها لشخصيات مهمة في ظل دعم قوي مالي وسياسي وتنظيم محكم مع ضعف داخل الأمة الإِسلامية، ولكن لماذا تتحرك داخل العالم الإِسلامي؟ يأتي تحركها في ظل الرغبة الغربية بكل خلفياتها "اليهودية والنصرانية والعلمانية" للتوسع ولاسيّما داخل منطقة "الرجل المريض" ذات الأهمية الكبيرة بالنسبة لهم، فأوجدت هذا الإطار داخل العالم الإِسلامي ليكون أداة مناسبة، وفي ذلك يتساءل "لويس عوض":
هل كان أثرها في مصر مثل أثرها في أوروبا عندما آزرت مثلًا حركات التحرير؟ ثم ذكر أنها ربما كانت ملاذًا للهاربين من أوروبا، ولكن ذلك "لا يفسر "تسابق" المحافل الأوروبية في إنشاء فروع لها في مصر، كتسابق الجاليات والدول الأوروبية في إنشاء المدارس الأجنبية أو الصحف الأجنبية في مصر، بل تسابقها في توجيه التعليم المصري أو السيطرة على الآثار المصرية. وهذا التسابق لا يكون إلا حيث تكون الرغبة في تجنيد المثقفين وتعبئة الرأي العام. وهذا هو الوجه الثقافي للسيطرة الاقتصادية والسياسية" (¬1)، وفي موضع سابق يقول: "فمن الثابت أن هذه المحافل الماسونية المتعددة، لم تكن إلا جمعيات سرية أنشأتها الدول الأوروبية في مصر في تسابقها الاستعماري لتجنيد المثقفين المصريين وأصحاب النفوذ في مصر" (¬2).
¬__________
= (1883 م) عن الماسونية: أن عدد نواديها في العالم (138065)، وعدد أعضائها (17159643)، وفي أفريقيا مع مصر عددهم (82320)، وأن نفقات سنة (1880 م) ما يقرب من أربعة مليار ونصف فرنك، وتُعقِّب المجلة: (فعلى هذا النحو يكون برنامج الماسونية أعظم من جمهورية فرنسا الذي هو أعظم ما في الدنيا)، انظر: المقتطف، المجلد الثامن/ 755 سنة (1883 م).
(¬1) تاريخ الفكر المصري الحديث (عصر إسماعيل) ص 291 - 292.
(¬2) تاريخ الفكر المصري الحديث ص 19، وانظر: فتوى الشيخ "محمَّد رشيد رضا" التي بين حقيقة دورها هذا في مجلة المنار جـ 14/ 178 سنة (1329 هـ -1911 م)، وانظر: 15/ 32 سنة (1330 هـ - 1912 م)، وانظر: 29/ 268 سنة (1347 هـ - 1928 م).

الصفحة 631