كتاب النظريات العلمية الحديثة مسيرتها الفكرية وأسلوب الفكر التغريبي العربي في التعامل معها دراسة نقدية (اسم الجزء: 1)

تمهيد الأصول الثقافية للوضع المعاصر
اختار الرب سبحانه رسوله - صلى الله عليه وسلم - ليكون الرسول الخاتم، قال -تعالى-: {مَا كَانَ مُحَمَّدٌ أَبَا أَحَدٍ مِنْ رِجَالِكُمْ وَلَكِنْ رَسُولَ اللَّهِ وَخَاتَمَ النَّبِيِّينَ وَكَانَ اللَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمًا (40)} [الأحزاب: 40]، وجعل أمته خير الأمم، قال -تعالى-: {وَكَذَلِكَ جَعَلْنَاكُمْ أُمَّةً وَسَطًا لِتَكُونُوا شُهَدَاءَ عَلَى النَّاسِ وَيَكُونَ الرَّسُولُ عَلَيْكُمْ شَهِيدًا} [البقرة: 143]، قال ابن كثير -رحمه الله-: "والوسط هاهنا الخيار، والأجود كما يقال: قريش أوسط العرب نسبًا ودارًا، أي: خيرها، وكان رسول الله -صلى الله عليه وسلم- وسطًا في قومه، أي: أشرفهم نسبًا. . . ." (¬1). وقال سبحانه: {كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ تَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَتَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَتُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ} [آل عمران: 110]، وذكر في معناها ابن كثير عن أبي هريرة وابن عباس ومجاهد وعكرمة وعطاء والربيع بن أنس وعطية العوفي: خير الناس للناس، والمعنى: أنهم خير الأمم وأنفع الناس للناس (¬2).
أدركت أمة الإِسلام هذا التشريف الرباني لها أن جعلها خير الأمم، وعرفت في الوقت نفسه أن لهذا التشريف تبعات، وهي أن تكون أنفع أمة للناس، وكما قال عمر بن الخطاب - رضي الله عنه -: "من سرّه أن يكون من تلك الأمة، فليؤدِّ شرط الله فيها" (¬3)، فقامت بدورها أحسن قيام وأهدت العالم هذا الدين
¬__________
(¬1) تفسير ابن كثير ص 127.
(¬2) انظر: تفسيره ص 250.
(¬3) انظر: المرجع السابق ص 253.

الصفحة 683