كتاب التمذهب – دراسة نظرية نقدية (اسم الجزء: 3)

وقد كان لهذه المناظراتِ تأثيرٌ في حيويةِ الفقهِ، وغزارةِ مسائلِه (¬١)، وإِظهارِ الفروقِ بين ما تشابَه مِنْ مسائلِه الَّتي تختلفُ أحكامُها، وتقييدِ بعضِ الأقوالِ المذهبيةِ أو تخصيصِها (¬٢).
يقولُ بدرُ الدّينِ الزركشي عن أحدِ أنواعِ الفقهِ: "معرفةُ الجمع والفرقِ، وعليه جلُّ مناظراتِ السلفِ، حتى قالَ بعضُهم: الفقهُ: فرقٌ وجمعٌ" (¬٣).
وقد أسهم المتمذهبون في تأصيلِ علمِ الجَدَلِ، وفصّلوا القولَ في مسائلِه، وفي الاعتراضاتِ الموجهةِ إِلى الأدلةِ، وبِمَ يكون الانقطاع؟ بأمرين:
الأمر الأول: ما بثَّه العلماءُ في مؤلفاتِهم الأصوليةِ مِنْ حديثٍ عن الجدلِ، وعن الاعتراضاتِ الواردة على الأدلةِ (¬٤).
الأمر الثاني: ما ألّفه العلمَاءُ مِنْ مدوَّناتٍ في آداب المناظرةِ، وعِلم الجدلِ، والاعتراضاتِ على الأدلةِ (¬٥).
وأسهمَ المتناظرون في مناظراتِهم في بيانِ مآخذِ الأئمةِ، وتحريرِ
---------------
(¬١) انظر: الفقه الإسلامي ومدارسه لمصطفى الزرقا (ص/ ١٥٠).
(¬٢) انظر: المدخل في الفقه الإِسلامي للدكتور محمد شلبي (ص/ ١٤٥).
(¬٣) المنثور في القواعد (١/ ٦٩). وانظر: عَلَم الجذل للطوفي (ص/ ٧١).
(¬٤) لا تخلو أكثر الكتب الأصولية من الحديث عن مسألة: (قوادح القياس)، وهناك من تحدث عن الجدل في كتابه الأصولي، وممن ضمَّن كتابه الأصولي حديثًا عن الجدل ومسائلِه: القاضي أبو يعلى في: العدة (١/ ١٨٤)، و (٥/ ١٥٣٥ - ١٥٣٦)، وأبو الخطاب في: التمهيد في أصول الفقه (١/ ٥٨)، وابنُ عقيل الحنبلي في: الواضح في أصول الفقه (١/ ٢٩٨ - ٤٣٢)، وابنُ مفلح في: أصول الفقه (٣/ ١٤١٧ - ١٤٢٨)، وأبو الحسن المرداوي في: التحبير (٧/ ٣٦٩٤ - ٣٧٣٦).
(¬٥) يقول إِمام الحرمين الجويني في فاتحة كتابه: الكافية في الجدل (ص/ ١): "سألتَ - وفقك الله لطلبِ الحسنات، وأعانك على سبيل الخيرات - أنْ أجمع طَرَفًا من الكلام في النظر لا يُستغنى عنه في مناظرة أهل الزمان ... ". وانظر: مقدمة ابن خلدون (٣/ ١٠٦٨)، وتاريخ الجدل لمحمد أبو زهرة (ص/ ٢٩٩)، وآداب البحث والمناظرة للشنقيطي (ص/ ٣ - ٤)، وآثار اختلاف الفقهاء لأحمد الأنصاري (ص/ ٢٣٥)، وتاريخ التشريع الإِسلامي لمحمد الخضري (ص/ ٣٣٤)، والمدخل للفقه الإِسلامي للدكتور حسن الشاذلي (ص / ٣١٢ - ٣١٣)، وبلوغ =

الصفحة 1316