ولم تخلُ بعضُ المناظراتِ التي لم تَسْلَمْ مِنْ داءِ التعصبِ مِنْ فوائد المناظرةِ الأخرى، ومِنْ بعضِ الطرائفِ الفقهيةِ، واللطائفِ العلميةِ (¬١).
يقولُ تاجُ الدين بنُ السبكي: "إنَّ ما يقعُ في المغالطاتِ والمغالباتِ في مجالسِ النظرِ، يحصلُ به مِنْ تعليمِ إقامةِ الحُجّةِ، ونشرِ العِلْمِ، وبعثِ الهِمَمِ على طلبِه ما يعظم في نظرِ أهلِ الحقِّ" (¬٢).
ويقولُ الشيحُ محمدٌ السايس عن حالِ بعضِ المناظراتِ: "بَعْدَ أنْ كانَ الجدلُ يُقْصَدُ للوصولِ إلى الحقِّ فحسب، أصبحَ يُستخدم لمجرّدِ التغلبِ على الغير (¬٣)، ومعولًا يَهْدِمُ به كلُّ فريقٍ ما يخالفُ مذهبَه، فانحرفَ عن طريقتِه الأُوْلى، وحُشِرَ فيه ما لا يتّصلُ بجوهرِ الموضوعاتِ" (¬٤).
ويمكنُ القولُ: إنَّ الحكمَ على المناظرةِ مدحًا، أو ذمًّا تابعٌ لغَرَضِ المناظِرِ منها:
• إنْ كان غرضُ المناظِرِ مِن المناظرةِ: إثراءَ الاستدلالِ، وردَّ الاعتراضاتِ عن أدلةِ مذهبِه السالمة منها، وإظهارَ ما ترجّح عنده، فهي ممدوحةٌ.
---------------
(¬١) انظر: أبو حنيفة - حياته وعصره لمحمد أبو زهرة (ص/ ١٠)، والمدخل الفقهي العام لمصطفى الزرقا (١/ ٢٠٩)، والمدخل في الفقه الإسلامي للدكتور محمد شلبي (ص/ ١٤٠)، والاجتهاد والتقليد للدكتور محمد الدسوقي (ص/ ٢٢٢)، ومقدمة في دراسة الفقه له (ص/ ٢٣٠)، وفقه إمام الحرمين للدكتور عبد العظيم الديب (ص/ ٥٢١)، والمدخل إلى دراسة الفقه لعبد المجيد الديباني (ص/ ١٦٩)، وتاريخ الفقه الإسلامي للدكتور أحمد الحصري (ص/ ٢١٢ - ٢١١)، وتاريخ التشريع للدكتور عبد الله الطريقي (ص/ ٣٠٥)، وظاهر الانتصار للمذهب عند القاضي عبد الوهاب للدكتور محمد المصلح، بحوث الملتقى الأول: القاضي عبد الوهاب المالكي (٥/ ٣٥٩)، والجديد في تاريخ الفقه للدكتور محمد مصطفى (ص/ ٢٣٩)، والمدخل في التعريف بالفقه للدكتور عبد المجيد مطلوب (ص/ ١٢٢)، والمدخل لدراسة الفقه للدكتور شوقي الساهي (ص/ ١١١)، ومدخل لدراسة الفقه لمحمد محجوبي (ص/ ٢٤٥)، وتاريخ الفقه الإسلامي للدكتور عمر الأشقر (ص/ ١٧٠).
(¬٢) طبقات الشافعية الكبرى (٤/ ٦٢).
(¬٣) في المطبوع من تاريخ الفقه الإسلامي لمحمد السايس (ص/ ١٣٢): "التغير"، وهو خطأ مطبعي، ولعل الصواب المثبت.
(¬٤) المصدر السابق (ص/ ١٣٢ - ١٣٣).