كتاب التمذهب – دراسة نظرية نقدية (اسم الجزء: 3)

ويقولُ في موضعٍ آخر مبينًا حالَ متمذهبي عصرِه وقُطْرِه ممَّن لَقِيَهم: "فكيفَ بهم - أي: الصحابة - رضي الله عنهم - لو شاهدوا ما نشاهدُ مِن المصائبِ الهادمةِ للإسلامِ على مَن امتحنه الله به، مِن الانتماءِ إلى مذهب فلانٍ وفلانٍ، والإقبالِ على أقوالِ مالكٍ وأبي حنيفةَ والشافعي، وتركِ أحكامِ القرآنِ وكلامِ النبي - صلى الله عليه وسلم - ظِهْريًّا" (¬١).
ويشهدُ لما بيّنه ابنُ حزمٍ: ما حكاه أبو شامةَ المقدسي عن بعضِ أرباب المذاهبِ الذين قصُرتْ هممُهم، فلم ينظروا في الأصلين: الكتابِ والسنةِ، بلْ أعرضوا عنهما، وجعلوا أقوالَ أئمتِهم كالأدلةِ عندهم (¬٢).
وقد بَلَغَ الحالُ عند بعضِ المتمذهبين في مناظراتِهم أنْ تنقضي المناظرةُ تلو المناظرةِ، ولا تُسمعُ فيها آيةٌ ولا حديثٌ (¬٣).
وفي الموضوعِ ذاتِه، يقولُ تقيُّ الدين بنُ تيمية عن طريقةِ بعضِ المصنفين في الفقهِ والرأي: "لم يَذْكرْ إلا رأيَ متبوعِه وأصحابِه، وأعرضَ عن الكتاب والسنةِ ... ككثيرٍ مِنْ أتباعِ أبي حنيفةَ ومالكٍ والشافعي وأحمدَ وغيرِهم" (¬٤).
ويشتكي بدرُ الدّينِ الزركشيُّ مِنْ حالِ بعضِ الفقهاءِ في إعراضِهم عن النصوصِ الشرعيةِ، فيقول: "مِن البليةِ اقتصارُ كثيرٍ مِن الفقهاءِ على الاستدلالِ على القياسِ، وعدمِ بحثِهم عن النصِّ فيها، وهو موجودٌ لو تطلَّبوه" (¬٥).
ويقولُ الشيخُ محمدٌ الأمين الشنقيطي عن بعضِ أتباعِ الأئمةِ: "تَرَكُوا
---------------
(¬١) المصدر السابق (٦/ ١٧٥)، وانظر منه: (٦/ ٩٨).
(¬٢) انظر: خطبة الكتاب المؤمل للرد إلى الأمر الأول (ص/ ٩٩ - ١٠٠).
(¬٣) انظر: التحقيق في أحاديث التعليق لابن الجوزي (١/ ٣)، وخطبة الكتاب المؤمل للرد إلى الأمر الأول لأبي شامة (ص/ ١٠٠).
(¬٤) مجموع فتاوى شيخ الإسلام (١٠/ ٣٦٧). وانظر: إعلام الموقعين (٦/ ٦٤ - ٦٦)، وتاريخ التشريع الإسلامي لعلي معوض وزميله (٢/ ٢٧٠).
(¬٥) البحر المحيط (٥/ ٢٧).

الصفحة 1377