كتاب التمذهب – دراسة نظرية نقدية (اسم الجزء: 3)

لقد كان مِنْ أسوأِ آثارِ التمذهبِ السلبيةِ، إنْ لم يكن أسوأها، وقوعُ بعضِ المتمذهبين في مخالفةِ نصوصِ الكتاب والسنةِ، بُغْيَةَ البقاءِ على المذهبِ، ولزومِه وعدمِ مفارقتِه (¬١)، فردّوا الأدلَّةَ الشرعيةَ، لمجرّدِ مخالفتِها المذهب (¬٢).
ولقد بَرَزَ الأثرُ السلبيُّ بصورةٍ أوضح في السنةِ النبويةِ؛ لوقوعِ بعضِ أئمةِ المذاهب في مخالفةِ دليلٍ منها، لأي سببٍ من الأسباب التي يُعذر بها الإمامُ.
يقولُ أبو الوفاءِ بنُ عقيل: "المذاهب تُؤْخَذُ مِن الأدلةِ، فأمَّا أنْ تُؤْخَذَ الأدلةُ أو تُصَحّح مِن المذاهبِ، فكلا، وهذا يكثرُ مِن الفقهاءِ" (¬٣).
ويقولُ ابنُ أبي العزِّ الحنفي عن بعضِ متعصبةِ مذهبِه: "إنْ أُورِدَ عليهم نصٌّ مخالفٌ قوله - أي: قول الإمام أبي حنيفة - تأوّلوه على غيرِ تأويلِه؛ ليدفعوه عنهم" (¬٤).
وقد أشارَ الشوكانيُّ إلى أنَّ المحاماةَ والمدافعةَ عن المذهب، وإيثارَه على السنةِ النبويةِ الصحيحةِ مِنْ "ثمراتِ التمذهباتِ، وتقليدِ الَرجالِ في مسائلِ الحلالِ والحرامِ" (¬٥).
ولا يخفى أنَّ اللومَ في هذه الحالةِ يقعُ على مَنْ تلبَّسَ بالأثرِ السيئِ، ولا يشملُ جميعَ المتمذهبين ممَّن لم يتلبسْ به.
وقد بيَّنَ تقيُّ الدين بنُ تيمية أنَّ تأويلَ النصوصِ - الصحيحة أو
---------------
(¬١) انظر: بدعة التعصب المذهبي لمحمد عباسي (ص/ ١٣٩)، وزوابع في وجه السنة لصلاح الدين مقبول (ص/ ٣٨١).
(¬٢) انظر: المتأخرون بين التجريد والتدليل للدكتور الصادق الغرياني، بحوث الملتقى الأول: القاضي عبد الوهاب المالكي (٦/ ٥٢٨).
(¬٣) الواضح في أصول الفقه (١/ ٣٥٨).
(¬٤) الاتباع (ص/ ٣٠).
(¬٥) نيل الأوطار (٦/ ٥٩٦).

الصفحة 1381