كتاب التمذهب – دراسة نظرية نقدية (اسم الجزء: 1)
ويمكن أنْ يُستدلَّ لأصحابِ القولِ الثالثِ: بأنَّ منكرَ القياسِ الجلي يقعُ في أقوالٍ شنيعةٍ، كالقولِ بجوازِ التغوطِ في الماءِ الراكدِ، دونَ التبولِ فيه! وهذه أقوالٌ يردُّها الشرعُ، والعقلُ.
• الموازنة الترجيح:
بالنظرِ في المسألةِ بأقوالِها وأدلتِها يظهرُ رجحانُ القولِ الأولِ القائلِ بأنَّ القولَ بحجيةِ القياسِ ليس بشرطٍ لبلوغِ رتبةِ الاجتهادِ؛ وذلك للآتي:
أولًا: هناك مسائلُ أصوليةٌ، أنكرَ بعضُ العلماءِ القولَ بها، ولم يقلْ أحدٌ مِنْ علماءِ أصولِ الفقهِ: إنَّ القولَ بها شرطٌ لبلوغِ رتبةِ الاجتهادِ، فكذا الأمرُ في مسألةِ: (حجيةِ القياسِ).
ثانيًا: عملُ الفقهاءِ في مصنفاتِهم، فلم يَزَلِ الفقهاءُ يَعْتَدون برأي الظاهريةِ، فيذكرونه، ويذكرون أدلتهم، ويجيبون عنها، ولو لم يبلغوا درجةَ الاجتهادِ، لما كان لإيرادِ أقوالِهم مسوّغٌ.
ثالثًا: أنَّ القائلَ بعدمِ حجيةِ القياسِ إنَّما قاله عن اجتهادٍ، فكيفَ نطالبُه بمخالفةِ اجتهادِه؟ !
رابعًا: القولُ بأنَّ المقايسةَ طريقُ الاجتهادِ، هذا صحيحٌ، لكنَّها ليستْ طريقَه الوحيدَ، فهناك مداركُ أخرى للشرعِ تُوصلِ إلى أحكامِ الحوادثِ.
• نوع الخلاف:
يبدو أنَّ الخلافَ بين الأقوال خلافٌ معنوي - كما أشار إلى ذلك: جلالُ الدينِ السيوطي (¬١) - ويظهرُ أثرُه في الاعتدادِ بخلافِ نفاةِ القياسِ في الإجماعِ:
فمَنْ لم يشترط القولَ بحجيةِ القياسِ لبلوغِ رتبةِ الاجتهادِ، لم يُخْرِجْ نفاةَ القياسِ مِنْ زُمْرةِ المجتهدين، ولا ينعقد الإجماعُ إلا بموافقتِهم.
---------------
(¬١) انظر: شرح الكوكب الساطع (٣/ ١١٧).
الصفحة 197