كتاب التمذهب – دراسة نظرية نقدية (اسم الجزء: 1)

القول الثاني: لا تبطلُ دلالةُ المفهومِ إن عارضها منطوق، بلْ تُقَرّ كلتا الدلالتين إنْ جُعل أول قولي إمامِ المذهبِ في مسألةٍ واحدةٍ مذهبًا له، ويكونُ للإمامِ قولان: أحدهما بالمنطوق، والآخر بالمفهوم.
وهذا القول وجه عند الحنابلة (¬١).
• أدلة القولين:
دليل أصحاب القول الأول: أن المنطوقَ أقوى مِن المفهومِ، فإذا تعارضا، قُدِّمَ المنطوقُ؛ لقوتِه (¬٢).
دليل أصحاب القول الثاني: أنَّ مفهومَ المخالفةِ كالنصِّ في إفادتِه الحكم، لذا اعتبرناه حجةً في صحةِ نسبةِ القولِ إلى الإمامِ، فإذا عارضَ المفهومَ منطوقٌ، قلنا بتقريرِهما؛ لأنَّ كلًّا منهما حجةٌ (¬٣).
مناقشة دليل أصحاب القول الثاني: إنْ سلمنا لكم أن المفهومَ حجةٌ، فهو حجةٌ لكنْ بشرطِ عدمِ مخالفتِه للمنطوقِ؛ وهذا هو المعمولُ به في النصوصِ الشرعيةِ (¬٤).
• الموازنة والترجيح:
يظهرُ لي رجحانُ القولِ الأولِ القائلِ ببطلانِ دلالةِ مفهومِ المخالفةِ إنْ عارضها منطوقٌ؛ وذلك للآتي:
أولًا: أنَّ دلالةَ المنطوقِ أقوى مِن دلالةِ مفهومِ المخالفةِ، ومِن المقررِ أنَّ الأقوى مقدَّمٌ على غيرِه.
ثانيًا: أنَّ نصَّ الإمامِ على خلافِ مفهومِ المخالفةِ قرينةٌ دالةٌ على عدمِ إرادتِه ما دلَّ عليه المفهوم.
---------------
(¬١) انظر: صفة الفتوى (ص / ١٠٣)، والمسودة (٢/ ٩٤٦)، والتحبير (٨/ ٣٩٦٥)، والإنصاف (١٢/ ٢٥٤).
(¬٢) انظر: صفة الفتوى (ص/ ١٠٣).
(¬٣) انظر: المصدر السابق.
(¬٤) انظر: البحر المحيط (٤/ ١٨).

الصفحة 260