كتاب التمذهب – دراسة نظرية نقدية (اسم الجزء: 1)

الدليل الرابع: قال الله تعالى: {وَمَا اخْتَلَفْتُمْ فِيهِ مِنْ شَيْءٍ فَحُكْمُهُ إِلَى اللَّهِ} (¬١).
وجه الدلالة: أنَّ اللهَ أَمَرَ بردِّ ما اخْتُلِفَ فيه إليه سبحانه، وهذا يدلُّ على أنَّ المجتهدَ لا يقلِّدُ غيرَه مِن المجتهدين؛ لأنَّ في التقليدِ في هذه الحالةِ تركًا لحكمِ الله تعالى (¬٢).
الدليل الخامس: قال الله تعالى: {وَلَا تَقْفُ مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ} (¬٣).
وجه الدلالة: أنَّ المجتهدَ إذا قلَّدَ غيرَه فقد أَخَذَ بما لا علمَ له به، وهذا ما نهى اللهُ عنه في الآيةِ الكريمةِ (¬٤).
الدليل السادس: حديثُ معاذٍ (¬٥) - رضي الله عنه - حين بعثه النبيُّ - صلى الله عليه وسلم - إلى اليمنِ، فقال له - صلى الله عليه وسلم -: (كيف تقضي إذا عَرَضَ لك قضاءٌ؟ ). فقال: أقضي بما في كتاب الله. قال - صلى الله عليه وسلم -: (فإنْ لم يكنْ في كتابِ الله؟ ). قال: فبسنةُ رسولِ الله - صلى الله عليه وسلم -: (فإنْ لم يكن في سنةِ رسولِ الله؟ ). قال: أجتهدُ رأيي، ولا آلو (¬٦).
---------------
(¬١) من الآية (١٠) من سورة الشورى.
(¬٢) انظر: العدة (٤/ ١٢٣١)، والتمهيد في أصول الفقه لأبي الخطاب (٤/ ٤١٠)، والإحكام في أصول الأحكام للآمدي (٤/ ٢٠٩).
(¬٣) من الآية (٣٦) من سورة الإسراء.
(¬٤) انظر: التبصرة (ص/ ٤٠٤)، وشرح اللمع (٢/ ١٠١٦)، والتمهيد في أصول الفقه لأبي الخطاب (٤/ ٤١٠)، والواضح في أصول الفقه (٥/ ٢٤٥).
(¬٥) هو: معاذ بن جبل بن عمرو بن أوس الأنصاري الخزرجي، أبو عبد الرحمن المدني، شهد بدرًا، وما بعدها من المشاهد، كان من أعلم الصحابة بالحلال والحرام، وأحد السبعين الذين شهدوا بيعة العقبة، بعثه النبي - صلي الله عليه وسلم - إلى اليمن قاضيًا ومعلمًا، ولم يرجع إلا في خلافة أبي بكر - رضي الله عنه -، قال عنه عمر بن الخطاب - رضي الله عنه -: (من أراد الفقه فليأتِ معاذ بن جبل)، توفي - رضي الله عنه - بالشام سنة ١٨ هـ وقيل: سنة ١٧ هـ. انظر ترجمته في: الاستيعاب لابن عبد البر (ص/ ٦٥٠)، وتهذيب الكمال للمزي (٢٨/ ١٠٥)، وسير أعلام النبلاء (١/ ٤٤٣)، وتذكرة الحفاظ للذهبي (١/ ١٩)، والإصابة لابن حجر (٣/ ٤٢٦).
(¬٦) معنى قوله: "لا آلو" أي: لا أقصّر في الاجتهاد، ولا أترك بلوغ الوسع فيه. انظر: معالم السنن للخطابي (٥/ ٢١٢)، والإحكام في أصول الأحكام لابن حزم (٦/ ٣٦ - ٣٧).

الصفحة 366