طريقٍ إلى طريقٍ، وذلك جائزٌ؛ لأنَّ في الحالين جميعًا أخذًا لحكمِ النبي - صلي الله عليه وسلم -، ونظيرُه في مسألتنا: أنْ يقفَ المجتهدُ على دليلٍ يقتضي حكمًا، ثم يظهرُ له طريقٌ آخر يقتضي الحكمَ نفسَه، فيجوزُ والحالُ هذه أنْ يعدلَ عن الأولِ إلى الثاني؛ لأنَّ الحكمَ في الحالين واحدٌ، وإنَّما اختلفَ الطريقانِ؛ بخلافِ مسألتِنا، فإنَّ المقتضي للحكمِ هو اجتهادُ المجتهدِ، وقد تَرَكَه إلى اجتهادٍ يقتضي حكمًا آخر، ونظيرُه - من مناقشتكم - أنْ يتركَ المجتهدُ نصًّا عن رسولِ الله - صلى الله عليه وسلم - إلى حكمٍ يخالفُه (¬١).
الدليل العاشر: لو أدَّى اجتهادُ المجتهدِ إلى خلافِ قولِ مَنْ هو أعلمُ منه، لما جازَ للمجتهدِ تركُ رأيه، والأخذُ بقولِ الأعلمِ، فَوَجَبَ أنْ لا يجوز له الأخذُ بقولِ غيرِه مِن المجتهدين، وإنْ لم يجتهدْ؛ لأنَّه لا يأمن أنْ لو اجتهدَ أنْ يؤديه اجتهادُه إلى خلافِ ذلك القولِ (¬٢).
مناقشة الدليل العاشر: نوقش الدليل من ثلاثة أوجه:
الوجه الأول: أنَّه لا يمتنعُ أنْ تكونَ مصلحةُ المجتهدِ إذا اجتهدَ العملَ على ما يؤديه إليه اجتهادُه، وتكون مصلحةُ المجتهدِ إنْ لم يجتهدْ الأخذ بما يختارُه مِن أقاويل السلفِ (¬٣).
الوجه الثاني: أنَّ ثمة فرقًا بين حالِ ما إذا اجتهدَ المجتهدُ، ثمَّ توصّلَ إلى رأي محددٍ، وحالِ ما إذا لم ينظرْ في المسألةِ أصلًا؛ لأنَّ وثوقَ المجتهدِ برأيه واجتهادِه أتمُّ مِنْ وثوقِه بما يقلِّدُ فيه غيرَه؛ لأنَّه مع مساواة اجتهادِه لاجتهادِ غيرِه، يحتملُ أنْ لا يكونَ غيرُه صادقًا فيما أخبرَ به عن اجتهادِه، والمجتهدُ لا يكابرُ نفسَه فيما أدَّى إليه اجتهادُه، وقبل أنْ يجتهدَ لم يحصلْ له الوثوقُ بحكمٍ ما، فلا يلزمُ مِن امتناعِ التقليدِ مع الاجتهادِ
---------------
(¬١) انظر: التبصرة (ص/ ٤٠٥)، وشرح اللمع (٢/ ١٠١٧).
(¬٢) انظر: المعتمد (٢/ ٩٤٤)، والعدة (٤/ ١٢٣٢)، وقواطع الأدلة (٥/ ١٦٨)، والتمهيد في أصول الفقه لأبي الخطاب (٤/ ٤١٢)، والإحكام في أصول الأحكام للآمدي (٤/ ٢٠٥).
(¬٣) انظر: المعتمد (٢/ ٩٤٤).