الوجه الثاني: على فرضِ التسليمِ بما ذكرتُم في دليلِكم، فإنَّه يدلُّ على جوازِ التقليدِ للمجتهدِ عند تعذّرِ الاجتهادِ، وأنتم لا تقولون به.
أدلةُ أصحاب القولِ الثاني: استدلَّ أصحابُ القولِ الثاني (القائلون بجواز تقليد المجتهَد لغيره من المجتهدين مطلقًا) بأدلةٍ، منها:
الدليل الأول: قال الله تعالى: {فَاسْأَلُوا أَهْلَ الذِّكْرِ إِنْ كُنْتُمْ لَا تَعْلَمُونَ} (¬١).
وجه الدلالة: أنَّ المجتهدَ قبلَ اجتهادِه لا يعلمُ هذا الحكمَ بخصوصِه، فيتناوله عمومُ الآية، فجازَ له التقليدُ، كالعامي (¬٢).
مناقشة وجه الدلالة: نوقش وجه الدلالة من ثلاثة أوجه:
الوجه الأول: ليس في الآيةِ ما يدلُّ على قولِكم، بلْ هي دالةٌ على خلافِه؛ لأنَّها شَرَطَتْ أنْ لا يعلمَ، والمجتهدُ عالمٌ بطُرقِ الاجتهادِ، وبطرقِ الأدلةِ (¬٣).
الوجه الثاني: أنَّ الآيةَ واردةٌ في العامي، والخطابُ فيها متوجّه إليه، ويدلُّ عليه أمران:
الأمر الأول: أن اللهَ تعالى أَوجبَ السؤالَ - كما في الآية - والمجتهدُ لا يجبُ عليه السؤالُ، فتعيّن أنْ يكونَ الخطابُ فيها للعامي؛ لأنَّه هو الذي
---------------
(¬١) وردت الآية في موضعين في القرآن: الأول: من الآية (٤٣) من سورة النحل. والثاني: من الآية (٧) من سورة الأنبياء.
(¬٢) انظر: التبصرة (ص/ ٤٠٦)، وشرح اللمع (٢/ ١٠١٧)، وقواطع الأدلة (٥/ ١٠٢)، والتمهيد في أصول الفقه لأبي الخطاب (٤/ ٤١٣)، والواضح في أصول الفقه (٥/ ٢٤٨)، والمحصول في علم أصول الفقه للرازي (٦/ ٨٦)، والإحكام في أصول الأحكام للآمدي (٤/ ٢٠٦)، ونهاية الوصول للهندي (٨/ ٣٩١٤)، وشرح مختصر الروضة (٣/ ٦٣٣).
(¬٣) انظر: التمهيد في أصول الفقه لأبي الخطاب (٤/ ٤١٣).