كتاب التمذهب – دراسة نظرية نقدية (اسم الجزء: 1)

تقولُ يا أبا الحسنِ؟ ). فقالَ: (إنْ كانوا قالوا برأيهم، فقد أخطأَ رأيُهم، وإنْ كان قالوا في هواك، فلم ينصحوا لك، أرى أنْ ديته عليك، فإنَّك أفزعتها ... ). فأَمَرَ عمرُ عليًا أنْ يقسمَ عقلَه (¬١) على قريشٍ (¬٢).
وجه الدلالة: أن عمرَ بن الخطاب - رضي الله عنه - وهو مِنْ أهلِ الاجتهادِ قلَّد عليًا - رضي الله عنه - (¬٣)، ولم يُنكر عليه أحدٌ، فكانَ إجماعًا (¬٤).
رابعًا: ما جاءَ مِنْ أنَّ عمرَ بن الخطاب - رضي الله عنه - سأل عبدَ الله بن مسعود - رضي الله عنه - عن مسألةٍ في الصرفِ؟ فأجابَ فيها بأنَّه لا بأسَ به. فقال عمر: (لكنّي أكرهُه). فقال ابنُ مسعود: (قد كرهتُه إذ كرهتَه) (¬٥).
وجه الدلالة: أنَّ عبدَ الله بن مسعود - رضي الله عنه - وهو مِنْ أهلِ الاجتهادِ، تَرَكَ قولَه تقليدًا لعمرَ - رضي الله عنه - (¬٦).
مناقشة الدليل الخامس: لا نُسلّمُ انعقادَ إجماعِ الصحابةِ - رضي الله عنهم - على
---------------
(¬١) العقل: الدية. انظر: القاموس المحيط، مادة: (عقل)، (ص/ ١٣٣٦).
(¬٢) جاء أثر عمر بن الخطاب - رضي الله عنه - من طريق الحسن، وأخرجه: عبدُ الرزاق في: المصنف، كتاب: العقول، باب: من أفزعه السلطان (٩/ ٤٥٧)، برقم (١٨٠١٠)؛ والبيهقيُّ في: السنن الكبرى، كتاب: الإجارة، باب: الإمام يضمن والمعلم يغرم (٦/ ١٢٣).
والأثر منقطع، يقول ابن الملقن في: البدر المنير (٨/ ٤٩٤): "هذا منقطع؛ الحسن لم يدرك عمر".
وانظر: التلخيص الحبير لابن حجر (٥/ ٢٦٧٤).
وذكر البيهقي في: السنن الكبرى، كثاب: الأشربة والحد فيها، باب: الشارب يضرب زيادة على الأربعين (٨/ ٣٢٢) أنَّ الإمام الشافعي بلغه عن عمر بن الخطاب - رضي الله عنه -، فذكر الأثر.
(¬٣) انظر: العدة (٤/ ١٢٣٤).
(¬٤) انظر: الإحكام في أصول الأحكام للآمدي (٤/ ٢٠٧).
(¬٥) ذكر أثر عبد الله بن مسعود - رضي الله عنه - عدد من الأصوليين - كما سيأتي توثيقه في حاشية وجه الدلالة منه - ولم أقف عليه مسندًا - فيما رجعت إليه من مصادر - ولم أقف على ذكر له في غير كتب أصول الفقه، ويغني في الاستدلال عنه قول ابن مسعود - رضي الله عنه -: (إنَّ عمر كره الصلاة بعد العصر، وإني أكره ما كره عمر). وسيأتي تخريج هذا الأثر.
(¬٦) انظر: الفصول في الأصول للجصاص (٤/ ٢٨٤)، والتمهيد في أصول الفقه لأبي الخطاب (٤/ ٤١٥)، والمحصول في علم أصول الفقه للرازي (٤/ ٣٣٦).

الصفحة 382