كتاب التمذهب – دراسة نظرية نقدية (اسم الجزء: 1)

ثالثًا: مناقشة الاستدلال بقصة قضاء عمر بن الخطاب - رضي الله عنه - في المرأة المغيّبة:
أنَّ أَخْذَ عمر - رضي الله عنه - قولَ علي - رضي الله عنه -؛ لأنَّ اجتهادَه أدَّى إلى صحةِ ما قاله علي - رضي الله عنه - في المسألةِ، فكان ذلك عملًا بالدليلِ، لا بالتقليدِ (¬١).
رابعًا: مناقشة الاستدلال بقول عبد الله بن مسعود في الصرف، نوقش من وجهين:
الوجه الأول: أنَّ ما قاله ابنُ مسعودٍ - رضي الله عنه - محمولٌ على اجتهادِه، أيْ: أنَّه إذ كرهه عمرُ - رضي الله عنه - بانَ لي وجهُ الكراهةِ، فكرهتُ ذلك (¬٢).
الوجه الثاني: يحتملُ أنَّ أخذَ ابنِ مسعود - رضي الله عنه - قول عمر - رضي الله عنه -؛ لقولِ النبي - صلي الله عليه وسلم -: (اقتدوا باللَّذَيْن من بعدي أبي بكرٍ وعمرَ) (¬٣)، فحَمَلَ الحديثَ على عمومِ الأقوالِ.
الدليل السادس: أنَّ المجتهدَ يجوزُ له أنْ يقلِّدَ الرسولَ - صلى الله عليه وسلم -، وأنْ يقلِّدَ الصحابيَّ، ويتركَ اجتهادَه، فكذلك يجوزُ له أنْ يُقلِّدَ مجتهدًا آخر (¬٤).
مناقشة الدليل السادس: أنَّ أخذَ المجتهدِ بقولِ النبي - صلي الله عليه وسلم -، وبقولِ الصحابي لا يُسمَّى تقليدًا، بلْ هو أخذٌ بالحجةِ - هذا على القولِ بأنَّ قولَ الصحابي حجةٌ، وأمَّا على القولِ بعدمِ حجيتِه، فلا يجوزُ تقليدُه - ويدلُّ على الفرقِ بين الأخذِ بقولِ النبي - صلى الله عليه وسلم - وقولِ الصحابي، والأخذِ بقولِ المجتهدِ: أنَّه يجبُ على المجتهدِ تركُ اجتهادِه، والأخذ بقولِ الرسولِ - صلى الله عليه وسلم -، وبقولِ الصحابي، ولا يجبُ عليه تركُ اجتهادِه، وتقليدُ غيرِه، فَظَهَرَ الفرقُ (¬٥).
---------------
(¬١) انظر: العدة (٤/ ١٢٣٥)، والتمهيد في أصول الفقه لأبي الخطاب (٤/ ٤١٦)، والإحكام في أصول الأحكام للآمدي (٤/ ٢٠٨).
(¬٢) انظر: التمهيد في أصول الفقه لأبي الخطاب (٤/ ٤١٦).
(¬٣) تقدم تخريج الحديث في: (ص/ ٣٨٤).
(¬٤) انظر: التبصرة (ص/ ٤٠٩)، والتمهيد في أصول الفقه لأبي الخطاب (٤/ ٤١٦).
(¬٥) انظر: المصدرين السابقين.

الصفحة 386