كتاب التمذهب – دراسة نظرية نقدية (اسم الجزء: 2)

المطلب الأول: التمذهب من نشأته إلى نهاية القرن الثالث الهجري
سَبَقَ وأنْ بينتُ في المبحثِ السابقِ أنَّ اللبناتِ الأُولى للتمذهبِ كانت موجودةً في زمنِ تلامذةِ الصحابةِ - رضي الله عنهم -.
وقد بدأت نشاةُ التمذهبِ مع تلامذةِ الأئمةِ، إذْ هم الذين أسسوا المذاهبَ، وأقاموا أصولَها وفروعها.
ويمكنُ القول بأنَّ التمذهبَ كان موجودًا في عصورِ الأئمةِ؛ فبعض متمذهبي المالكيةِ (¬١) قد التقى بالإمامِ الشافعي (ت: ٢٠٤ هـ)، وحصلت بينهما مساجلاتٌ علميةٌ (¬٢).
واللافتُ للنظرِ وقوعُ التعصبِ لبعضِ الأئمةِ في أوائلِ القرنِ الثالثِ الهجري (¬٣).
يقول ابنُ حزمٍ بعد استنكارِه لأحوالِ المتمذهبين: "وليَعلمْ مَنْ قَرَأ كتابَنا أنَّ هذه البدعةَ العظيمةَ، نعني: التقليدَ، إنَّما حدثتْ في الناسِ، وابتُدِئ بها بعد الأربعين ومائة مِنْ تاريخِ الهجرةِ، وبعد أزيد مِنْ مائةِ عامٍ وثلاثين عامًا بعد وفاة رسول الله ... " (¬٤).
ولن أقف مع كلامِ ابنِ حزم فيما يتصل بحكمِ التمذهبِ - الذي يسميه
---------------
(¬١) هو: فتيان بن أبي السمح المالكي.
(¬٢) انظر: ترتيب المدارك للقاضي عياض (٣/ ٢٧٩).
(¬٣) انظر: المصدر السابق (٣/ ٢٨٠)،
(¬٤) الإحكام في أصول الأحكام (٦/ ١٤٦). وقارن بملخص إبطال القياس والرأي لابن حزم (ص/ ٥، ٥٢).

الصفحة 667