ومَنْ قال: يجوزُ الانتقالُ بين المذاهب، لم يمنعْ من التمذهبِ بمذهبِ الصحابي والتابعي، وهذا ما سارَ عليه أَصحابُ القولِ الثاني.
وقد ذَكَرَ هذا السببَ جمالُ الدّينِ الإِسنوي (¬١).
يقولُ ابنُ بَرْهان: "تقليدُ الصحابةِ - رضي الله عنهم - يتخرَّجُ على جوازِ الانتقالِ في المذاهبِ:
فمَنْ مَنَعَه، قال: مذاهبُ الصحابةِ لم يكثرْ فروعها حتى لا يمكنُ الاكتفاءُ بها، فيؤديه ذلك إِلى الانتقالِ، وهو ممنوعٌ، ومذاهبُ المتأخرين تمهدتْ، فيكفي المذهبُ الواحدُ المكلَّفَ طولَ عمرِه" (¬٢).
وجعَلَ ابنُ بدران السببَ الثاني سببًا للخلافِ بالنسبةِ إِلى العامةِ فقط (¬٣).
ولم يرتضِ الشَّيخ محمدٌ المطيعي سببَ الخلافِ الَّذي ذكره ابنُ برهان (¬٤).
السبب الثالث: هلْ مذاهبُ الصحابةِ - رضي الله عنهم - والتابعين محرَّرةٌ؟ (¬٥).
فمَنْ قالَ: إِنَّها غيرُ محرَّرةٍ على الوجهِ الأمثلِ، وفيها ما يشكُّ في
---------------
(¬١) انظر: التمهيد في تخريج الفروع على الأصول (ص/ ٥٢٧).
(¬٢) نقل كلامَ ابن برهان القرافيُّ في: نفائس الأصول (٩/ ٤١٥١)، والزركشيُّ في: البحر المحيط (٦/ ٢٩٠)، وفي: سلاسل الذهب (ص/ ٤٥٠)، وإِبراهيمُ اللقاني في: منار أصول الفتوى (ص / ٢٠٥).
وأشار إِلى كلام ابن برهان: الإِسنويُّ في: نهاية السول (٤/ ٦٣٠)، وفي: التمهيد في تخريج الفروع على الأصول (ص/ ٥٢٧)، وانظر: العقود الياقوتية لابن بدران (ص/ ١٢٦). وظاهرٌ أنّ مراد ابن برهان حين عبَّر بالتقليد، التمذهبُ؛ فتتمة الكلام تؤيد هذا.
(¬٣) انظر: العقود الياقوتية (ص/ ١٢٦).
(¬٤) انظر: سلم الوصول (٤/ ٦٣٠).
(¬٥) انظر: منع الموانع لابن السبكي (ص/ ٤٥١)، ونهاية السول (٤/ ٦٣٠)، والرد على من اتبع غير المذاهب الأربعة لابن رجب (ص/ ٣٤)، وسلم الوصول لمحمد المطيعي (٤/ ٦٣٠).