كتاب التمذهب – دراسة نظرية نقدية (اسم الجزء: 2)

المتمذهبُ متمكنًا مِن النظر أم لا، لأنَّ أكثرَ أدلته فيها عموماتٌ تشملُ كلَّ الملتزمين بمذهبِهم (¬١)، ولأنَّه قد يؤدي إِلى تغليب قولِ الإِمام على قولِ الله تعالى وقولِ رسوله - صلى الله عليه وسلم -.
ثُمَّ إِنَه يرى أنَّ التزامَ أقوالِ عالمٍ بعينِه - كما سيأتي في أدلةِ أصحاب القولِ الرابعِ - مِن البدعِ، وهذا يدلُّ على المنعِ مِنْ الالتزامِ مطلقًا.
وأيضًا: لئلا يكونَ عدمُ تأهّلِ المتمذهبِ ذريعةً له في بقائِه على مذهبِه.
٢ - : ما جاء عن أبي عمر ابن عبد البر:
جاءَ عن ابنِ عبد البر عباراتٌ شديدةٌ في التحذيرِ مِن التقليدِ المذهبي، وسأحررُ قولَه في ضوءِ الآتي:
أولًا: تعريف التقليد عند ابنِ عبد البر:
بيَّنَ ابنُ عبد البر التقليدَ بقولِه: "يُقالُ لمَنْ قالَ بالتقليدِ: ما حجتك في تقليدِ بعضِ العلماءِ دونَ بعضٍ، وكلّهم عالمٌ؟ ولعل الَّذي رغبتَ عن قولِه أعلم مِن الَّذي ذهبتَ إِلى مذهبِه. فإنْ قال: قلَّدتُه، لأنِّي علمتُ أنَّه صوابٌ. قيل له: علمتَ ذلك بدليلٍ مِن كتابٍ أو سنةٍ أو إِجماعٍ؟ فإنْ قالَ: نعم، فقد أبطلَ التقليدَ، وطُولب بما ادّعاه مِن الدليلِ" (¬٢).
ويقولُ أيضًا: "التقليد: أنْ تقولَ بقولِه - أيْ: القائل - وأنتَ لا تعرفُ وجهَ القولِ، ولا معناه (¬٣)، وتأبى سواه، أو يتبين لك خطؤُه، فتتّبعه؛ مهابةَ خلافِه، وأنتَ قد بان لك فسادُ قولِه" (¬٤).
وكلامُ ابنِ عبد البر مِن الوضوح بمكانٍ في تحديدِ مصطلح التقليدِ، وأنَّه يشمل حالتين:
---------------
(¬١) انظر: الإِحكام في أصول الأحكام (٦/ ٨٦، ١٢٤، ١٢٥، ١٦٤، ١٧٥).
(¬٢) جامع بيان العلم وفضله (٢/ ٩٤٤).
(¬٣) لعل المقصود: "بالمعنى": العلة والتوجيه.
(¬٤) جامع بيان العلم وفضله (٢/ ٧٨٧).

الصفحة 772