كتاب مختصر تفسير البغوي المسمى بمعالم التنزيل
وَالسُّدِّيِّ وَقِيلَ: هُمْ أَصْحَابُ الْبِدَعِ والشبهات من هده الْأُمَّةِ. وَرُوِيَ عَنْ عُمَرَ بْنِ الخطاب «أن رَسُولِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ لِعَائِشَةَ: يَا عَائِشَةُ إِنَّ الَّذِينَ فَارَقُوا دِينَهُمْ وَكَانُوا شِيَعًا هُمْ أَصْحَابُ الْبِدَعِ وَالشُّبُهَاتِ مِنْ هذه الأمة» (¬1) . وعن الْعِرْبَاضِ بْنِ سَارِيَةَ قَالَ: «صَلَّى بِنَا رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ الصُّبْحَ فَوَعَظَنَا مَوْعِظَةً بَلِيغَةً ذَرَفَتْ مِنْهَا الْعُيُونُ، وَوَجِلَتْ مِنْهَا الْقُلُوبُ، وَقَالَ قَائِلٌ: يَا رَسُولَ اللَّهِ كَأَنَّهَا مَوْعِظَةُ مُوَدِّعٍ فَأَوْصِنَا: فَقَالَ: (أُوصِيكُمْ بِتَقْوَى اللَّهِ وَالسَّمْعِ وَالطَّاعَةِ وَإِنْ كَانَ عَبْدًا حبشيا، فإنه مَنْ يَعِشْ مِنْكُمْ فَسَيَرَى اخْتِلَافًا كَثِيرًا، فَعَلَيْكُمْ بِسُنَّتِي وَسُنَّةِ الْخُلَفَاءِ الرَّاشِدِينَ الْمَهْدِيِّينَ، عَضُّوا عَلَيْهَا بِالنَّوَاجِذِ وَإِيَّاكُمْ وَمُحْدَثَاتِ الْأُمُورِ، فَإِنَّ كُلَّ بدعة ضلالة» (¬2) . وَعَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «إِنْ بَنِي إِسْرَائِيلَ تَفَرَّقَتْ عَلَى اثْنَيْنِ وَسَبْعِينَ فِرْقَةً، وَتَفَرَّقَتْ أُمَّتِي عَلَى ثَلَاثٍ وَسَبْعِينَ مِلَّةً، كُلُّهُمْ فِي النَّارِ إِلَّا وَاحِدَةً، قَالُوا: مَنْ هِيَ يَا رَسُولَ اللَّهِ؟ قَالَ: مَا أنا عليه وأصحابي» (¬3) {لَسْتَ مِنْهُمْ فِي شَيْءٍ} [الأنعام: 159] قِيلَ: لَسْتَ مِنْ قِتَالِهِمْ فِي شَيْءٍ نَسَخَتْهَا آيَةُ الْقِتَالِ، وَهَذَا عَلَى قَوْلِ مَنْ يَقُولُ: الْمُرَادُ فِي الْآيَةِ الْيَهُودُ وَالنَّصَارَى، وَمَنْ قَالَ: أَرَادَ بِالْآيَةِ أَهْلَ الْأَهْوَاءِ قَالَ: الْمُرَادُ مِنْ قَوْلِهِ لَسْتَ مِنْهُمْ فِي شَيْءٍ أَيْ أَنْتَ مِنْهُمْ بَرِيءٌ وَهُمْ مِنْكَ بُرَآءُ، تَقُولُ الْعَرَبُ. إِنْ فَعَلْتَ كَذَا فَلَسْتَ مِنِّي وَلَسْتُ مِنْكَ أَيْ: كل واحد منا برئ مِنْ صَاحِبِهِ، {إِنَّمَا أَمْرُهُمْ إِلَى اللَّهِ} [الأنعام: 159] يَعْنِي: فِي الْجَزَاءِ وَالْمُكَافَآتِ، {ثُمَّ يُنَبِّئُهُمْ بِمَا كَانُوا يَفْعَلُونَ} [الأنعام: 159] إذا وردوا للقيامة.
[160] قوله تعالى: {مَنْ جَاءَ بِالْحَسَنَةِ فَلَهُ عَشْرُ أَمْثَالِهَا} [الأنعام: 160] أَيْ: لَهُ عَشْرُ حَسَنَاتٍ أَمْثَالِهَا، وَقَرَأَ يَعْقُوبُ (عَشَرٌ) مُنَوَّنٌ، (أَمْثَالُهَا) بِالرَّفْعِ. {وَمَنْ جَاءَ بِالسَّيِّئَةِ فَلَا يُجْزَى إِلَّا مِثْلَهَا وَهُمْ لَا يُظْلَمُونَ} [الأنعام: 160] قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ. «إِذَا أَحْسَنَ أَحَدُكُمْ إِسْلَامَهُ فَكُلُّ حَسَنَةٍ يَعْمَلُهَا تُكْتَبُ بِعَشْرِ أَمْثَالِهَا إِلَى سَبْعِمِائَةِ ضِعْفٍ، وَكُلُّ سَيِّئَةٍ يَعْمَلُهَا تُكْتَبُ لَهُ بِمِثْلِهَا حَتَّى يَلْقَى اللَّهَ عَزَّ وجل» (¬4) وعن أَبِي ذَرٍّ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ
¬_________
(¬1) عزاه ابن كثير لابن مردويه وقال: (هو غريب ولا يصح رفعه) ثم قال: والظاهر أن الْآيَةُ عَامَّةٌ فِي كُلِّ مَنْ فارق دين الله وكان مخالفا له انظر تفسير ابن كثير 2 / 197.
(¬2) أخرجه أبو داود في السنة، باب لزوم السنة 7 / 11 والترمذي في العلم 7 / 437-442 وقال: حديث حسن صحيح، وابن ماجه في المقدمة رقم (42، 43) والمصنف في شرح السنة (1 / 205) .
(¬3) روي هذا الحديث بطرق كثيرة بألفاظ مختلفة فقد أخرجه أبو داود في السنة 7 / 3-4 والترمذي في الإيمان 7 / 397 وقال: (حسن صحيح) وابن ماجه في الفتن رقم (3991) 2 / 1321 والدارمي في السير 2 / 241 وابن حبان برقم (1834) من الموارد وصححه الحاكم على شرط مسلم.
(¬4) أخرجه البخاري في الإيمان باب حسن إسلام المرء 1 / 1000 ومسلم في الإيمان باب إذا هم العبد بحسنة كتبت رقم (129) 1 / 18 والمصنف في شرح السنة 14 / 338.
الصفحة 293