كتاب مرآة الزمان في تواريخ الأعيان (اسم الجزء: 13)

فغنَّيته بأبيات الجارية، فدعا بكيسٍ فيه ألفُ دينار فأعطاني إياه، ثم قال: أَعِدْه، فأَعدته، فأعطاني ألفَ دينار، ثم قال أَعِده، فأعدته، فأَعَّطَاني ألفًا أخرى، فتبسَّمت، فقال: ممَّ تتبسَّم؟ فحدَّثته الحديث، فعجب، وأمر لي بدارٍ وفرس وخيلٍ وخدم وأثاثٍ ووصائف، فأصبحت أغنى الناس. قلت: حكايةٌ طويلة اختصرتُها] (¬1).

بُهلول المجنون (¬2)
من أهل بغداد، كان يأوي إلى المقابر [ووعظ الرشيدَ في سنة ثمانٍ وثمانين وهو يريد الحجّ، وقد ذكرناه.
وكان له كلامٌ حسن وإشاراتٌ عجيبة. حدثنا جدِّي رحمه الله بإِسناده عن] سريٍّ السَّقطي قال (¬3): خرجتُ يومًا إلى المقابر، فرأيتُ بُهلولًا قد دلَّى رجلَيه في قبرٍ وهو يلعب بالتُّراب، فقلت له: أيَّ شيءٍ تصنع هاهنا؟ فقال: أنا عند قومٍ لا يؤذونني، وإن غبتُ عنهم لا يغتابونني، فقلت له: لا تكون جائعًا؟ فقال: [من الطويل]
تجوَّع فإنَّ الجوع من عَلَم التُّقى ... وإنَّ طويل الجوعِ يومًا سيشبعُ
فقلت له: إنَّ الخبز قد غلا، فقال: واللهِ ما أبالي ولو بلغَتْ كلُّ حبةٍ مثقالًا، علينا أن نعبدَه كما أَمر، وعليه أن يرزقَنا كما وعد، ثم ولَّى وهو يقول: [من الرمل]
أُفٍّ للدنيا فليست لي بدارٍ ... إنما الراحة في دار القرارِ
أبَتِ الساعات إلا سرعةً ... في بِلَى جسمي بليكٍ أو نهار
وفي رواية: أَنشد (¬4): [من البسيط]
يا مَن تمتَّع بالدنيا وزينتِها ... ولا تنام عن اللذَّات عيناهُ
أَفنيتَ عمْرك فيما ليس تدركهُ ... تقول لله ماذا حين تلقاه
[فيها توفي
¬__________
(¬1) وهي مختصرة جدًّا في (خ)، والمثبت من (ب)، وانظرها بطولها في الأغاني 6/ 311 فما بعد، والفرج بعد الشدة 3/ 5 فما بعد.
(¬2) المنتظم 9/ 202، صفة الصفوة 2/ 516، تاريخ الإسلام 4/ 816.
(¬3) في (خ): قال سري السقطي.
(¬4) في (خ): وقال. وكلا الروايتين في صفة الصفوة 2/ 516 - 517.

الصفحة 159