كتاب مرآة الزمان في تواريخ الأعيان (اسم الجزء: 13)

قال: وما حدَّثتُه بحديثٍ عن النبي - صلى الله عليه وسلم - إلَّا وقال: صلى اللهُ على سيدي محمَّد - صلى الله عليه وسلم -.
وحدثته يومًا بحديث أبي هريرةَ، وأنَّ موسى لقي آدمَ فقال له موسى: أنت الذي أخرجتَنا من الجنة، وعنده بعضُ عمومته، فقال: أين التقيا؟ فأمر هارونُ بقتله، ثم حبسه، [قال: ] فدخلتُ عليه الحبسَ ولُمْته، فقال: واللهِ ما سمعتُه من أحد، وإنَّما هو شيءٌ جرى على لساني، قال: فأخبرت هارون، فقال: خفت أن يكونَ بعضُ الزنادقةِ ألقى إليه هذا الكلام، وإلا فأنا أعلم أنَّ القرشيَّ لا يتَزَنْدَق، وأطلقه.
[قلت: وأيُّ إشكالٍ في هذا السؤال، أليس قد ثبت أنَّ الله تعالى أخرج ذرية آدمَ مثل الذَّرِّ بأرض نَعمانَ وقال لهم: "ألست بربكم" قالوا: بلى. وأخذ ميثاقَ الأنبياءِ على تصديق نبيِّنا - صلى الله عليه وسلم - وقد كان موسى في الجملة، فقد عاتبه موسى على اعتبار (¬1)، ويحتمل أنَّ روحَ موسى وآدمَ اجتمعا بعد المماتِ فعاتبه موسى، وليس في سؤال عمِّ هارونَ ما يُنكَر عليه، وإنَما عظَم القصة سدًّا لهذا الباب على مَن لم يفهم الجواب.]
وقال [أبو معاويةَ الضرير: ] (¬2) قال لي هارونُ يومًا: ما أجلُّ المراتب؟ فقلت: ما أنت فيه، قال: أجلُّ مني رجلٌ في حلقةٍ يقول: حدَّثنا فلانٌ عن فلان عن النبي - صلى الله عليه وسلم -.
[وكان هارونُ كثيرَ الخوفِ من الله والبكاء] وقال ابنُ المبارك: عشق هارونُ جارية، فراودها عن نفسها، فقالت: إنَّ أباك ألمَّ بي، فتركها، وشُغف بها حتى قال: [من الوافر]
أرى ماءً وبي عَطَشٌ شديدٌ ... ولكن لا سبيلَ إلى الورودِ (¬3)
وأخبر أبا يوسفَ القاضيَ بشدَّة شغفه بها، فقال: أَوكلَّما قالت جاريةٌ كذا تصدِّق!
فقال هارون: ما فوق الخلافةِ مرتبة.
ثم قال ابنُ المبارك: ما أدري مم أعجب، من عِفَّة الجارية ورغبتِها عن الخلافة، أو من امتناع هارونَ عنها مع شدَّة الشغفِ والعشق والقدرةِ والشَّباب والملك، أو من جرأة أبي يوسفَ حيث أمره بالهجوم عليها؟ !
¬__________
(¬1) حديث المعاتبة المذكور أخرجه البخاري (3409)، ومسلم (2652).
(¬2) في مختصر تاريخ دمشق 27/ 13 أن القائل يحيى بن أكثم. وما بين حاصرتين من (ب).
(¬3) هي ثلاثة أبيات في مختصر تاريخ دمشق 27/ 29. وانظر تاريخ بغداد 16/ 17.

الصفحة 182