كتاب مرآة الزمان في تواريخ الأعيان (اسم الجزء: 13)

وقال الأصمعيّ: عارضه بعض الزهَّاد فقال له (¬1) في الطريق: يا هارون، اتقِ الله، فوقف عليه وقال: ما أنصفتَني، قال الزاهد: ولِم؟ قال: لأنِّ فرعونَ كان أخبثَ مني حيث قال: ؟ {مَا عَلِمْتُ لَكُمْ مِنْ إِلَهٍ غَيرِي} [القصص: 38] ولا أنت خيرٌ من موسى، ولمَّا بعثه اللهُ إلى فرعونَ قال له: {فَقُولَا لَهُ قَوْلًا لَيِّنًا} [طه: 44] أي: كنِّياه، قال: صدقت، قال: فلمَ عرَّضتَ نفسَك للهوان فخاطبتَني بأغلظِ الألفاظِ، أأمِنْتَ عقوبتي؟ ! فقال الزاهد: أخطأتُ وأستغفرُ الله، وحلمُك يسعني، فقال هارون: غفر اللهُ لك، وأمر له بعشرين ألف درهم، فأبى أن يقبلَها وقال: مالي واللهِ إليها من حاجة، وانصرف ولم يقبلْها.
و[قال الأصمعيّ: ] (¬2) اجتاز هارونُ بالبادية، وإذا بكوخٍ فيه عجوز، فسلَّم عليها وقال: ممَّن العجوز؟ فقالت: من طيِّئ، فقال: ما منع طيِّئًا أن يكونَ فيهم مثلُ حاتم، فقالت: الذي منع الخلفاءَ أن يكونَ فيهم مثلُك، فأعطاها مالًا عظيمًا كان معه، فاستكثره بعضُ مَن حضر، فقال: واللهِ لو أعطيتُها الخلافةَ ما أوفيتُها.
وقال الأصمعيّ: دخلتُ عليه يومًا فقال لي: كيف بتَّ؟ فقلت: بليل النَّابغة، فقال: لعلك تريد قولَه: [من الطويل]
فبتُّ كأنِّي ساوَرَتْني ضَئيلةٌ ... من الرُّقْش في أنيابها السُّمُّ ناقعُ (¬3)
قلت: نعم.
وقال إسحاقُ الموصلي: كان الخلفاءُ إذا عطسوا شُمِّتوا، فعطس هارونُ يومًا، فشمَّته جلساؤه، فقال لهم الفضلُ بن يحيى: لا تكلِّفوا أميرَ المؤمنين بعدها جوابًا. فمُحيت هذه السُّنَّة.
وكان الخلفاءُ إذا مَرِضوا دخل عليهم جلساؤهم فسألوهم عن حالهما، فقال الفضلُ بن يحيى: اِرفعو هذا عن أمير المؤمنين، واجعلوا سؤالكم عنه دعاءً له.
¬__________
(¬1) في (خ): لي، والقصة غير مذكورة في (ب).
(¬2) ما بين حاصرتين من (ب).
(¬3) المنتظم 8/ 323، والبيت في ديوان النابغة الذبياني ص 80.

الصفحة 183