كتاب مرآة الزمان في تواريخ الأعيان (اسم الجزء: 13)
المؤمنين، يبلغ أهلَ العراق أنَّك بعثت إلى مالكٍ في أمرٍ فخالفك فيه! اعزم عليه.
فبينما هم على ذلك، إذ جاء مالكٌ فدخل وسلَّم وجلس، فقال هارون: يا ابنَ أبي عامر، أَبعث إليك في أمرٍ فتخالفني فيه! فقال مالك: أَخبرَني الزُّهري، عن خارجةَ بن زيد بن ثابت، عن أبيه قال: كنت أكتب الوحيَ بين يدي رسولِ الله - صلى الله عليه وسلم -، فنزل قولُه تعالى: {لَا يَسْتَوي الْقَاعِدُونَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ} [النساء: 95] وابنُ أمِّ مكتوم حاضر، فقال: يا رسولَ الله، إنِّي رجلٌ ضريرٌ لا أقدر على الجهاد، وقد أنزل اللهُ هذه الآية، قال زيد: وقلمي رَطْبٌ ما جفّ، فأخذ رسولَ الله - صلى الله عليه وسلم - ما كان يأخذه عند نزولِ الوحي، فلمَّا سُرِّي عنه قال: يا زيد، اكتب: {غَيرُ أُولِي الضَّرَرِ} (¬1)، يا أميرَ المؤمنين، فمن أجل حرفٍ واحدٍ بعث إليه جبريلَ من مسيرة خمسين ألفَ عامٍ أو خمسةِ آلاف عام، أفلا أُجِلُّ أنا العلمَ وأرفعه وقد رفعك اللهُ بحديث ابن عمِّك [رسولِ الله - صلى الله عليه وسلم -، فلا تكن أوَّل مَن وضعه. فقام هارونُ وأتى بيتَ مالك] (¬2) فلمَّا دخل جلس في مَرْتَبة مالك، فقال مالك: أدركنا الخلفاءَ يُعزُّون العلم، فنزل هارونُ وقعد بين يديه وسمع منه الموطَّأ.
[وفي رواية عبدِ الله بن عبدِ الحكم قال: حجَّ هارون، فدخل عليه مالك، فقال له: ينبغي أن تختلفَ إلينا حتَّى تَسمعَ صبيانُنا منك الموطَّأ، قال: فقال له مالك: إنَّ هذا العلمَ منكم خرج، فإن أعزَزْتُموه عزّ، وإن أذللتموه ذلَّ، قال: قال: فاخرج إلى المسجد ليسمعوه منك أو عليك، قال: فخرج مالكٌ، وجاؤوا إليه فسمعوه عليه] (¬3).
وقال الأصمعي: حجَّ هارون، فأتى مالكًا ليسمعَ منه الموطَّأ، فحجبه ساعة، فغضب هارون، فلمَّا دخل عليه قال: يا أميرَ المؤمنين، عاهدت الله ألا أحدِّث إلَّا على وضوء، وإني كنت أتوضَّأ، فسُرِّي عن هارون. وقال مالك: لو أرسلتَ إليَّ لأتيتك، فقال هارون: العلمُ يؤتَى ولا يأتي. فأحضر مالكٌ الموطَّأ، فقرأه ابنُ أبي وهب، فأراد هارونُ أن يحملَ الناسَ عليه، فقال له مالك: إنَّ السلطان إذا حمل الناسَ على مذهبٍ تجافاه العوامّ، فسكت هارون.
¬__________
(¬1) أخرجه بنحوه البخاري (2832) ومسلم (1898).
(¬2) ما بين حاصرتين من (ب)، والخبر في تاريخ دمشق 42/ 343.
(¬3) ما بين حاصرتين من (ب).