كتاب مرآة الزمان في تواريخ الأعيان (اسم الجزء: 13)

فما حَزَني أنِّي (¬1) أموت صَبابَةً ... ولكن على مَن لا يحلُّ له قتلي
فَدَيتُ التي صدَّت وقالت لتِرْبها ... دعيه الثُّريَّا منه أقربُ من وَصْلي
إلى أن قال:
هل العيشُ إلَّا أن تَروحَ مع الصِّبا ... وتغدو صَريعَ الكأسِ والأعيُن النُّجْلِ
فاستحسنها هارونُ وأعطاه لكلِّ بيت ألفَ دينار، وقال: أنت صَريعُ الغَواني.
وقد عارض صاحبُ "العِقد" (¬2) هذه الأبياتَ فقال:
أتقتُلُني ظُلمًا وتَجْحَدني قتلي ... وقد قام من عينيك لي شاهدا عَدْلِ
أغارَ على قلبي فلمَّا أتيتُه ... أُطالبُه فيه أَغارَ على عقلي
بنفسي التي ضنَّت بردِّ سَلامها ... ولو سألتْ روحي أَبَحْتُ لها قَتْلي
إذا جئتها صَدَّت حَياءً بوَجْهها ... وتَهْجُرني هَجْرًا ألذَّ من الوَصْل
وإن حَكَمَتْ جارت عليَّ بحُكْمها ... ولكنَّ ذاك الجَورَ أحلى (¬3) من العَدْل
كتمت الهوى جُهدي فأَظهره الأسى ... بماء البُكا هذا يَخُطُّ وذا يُملي
وأحببتُ فيها العَذْلَ حبًّا لذِكرها ... فلا شيءَ أشهى في فؤادي من العَذْلِ
أقول لقلبي كلَّما ضامَه الهوى ... إذا ما أبيتَ العزَّ فاصبر على الذُّلِّ
وجدتُ الهوى نَصْلًا من الموت مُغْمَدًا ... فجرَّدتُه ثم اتكأتُ على النَّصل
فإن كُنْتُ مقتولًا على غير ريبةٍ ... فإنِّي الَّذي عَرَّضتُ نفسي إلى القتل (¬4)
وقال أبو بكرٍ محمَّد بن الأنباري: ثلاثةُ أبياتٍ لصَريع الغَواني أَحسنَ فيها وزاد، وهي أمدحُ بيت، وأهجى بيت، وأرثَى بيت، فالمدح: [من البسيط]
يجود بالنفْس إذ ضَنَّ البخيلُ بها ... والجودُ بالنفس أقصى غايةِ الجودِ
والهجاء: [من الكامل]
قَبُحَت مَناظرُه فحين خَبَرتُه ... حَسُنت مَناظِرُه لقُبْحِ المَخْبَرِ
¬__________
(¬1) في (خ): أن، ولا يستقيم بها الوزن.
(¬2) 5/ 398.
(¬3) في العقد الفريد: أشهى.
(¬4) في العقد الفريد: فأنت التي عرضت نفسي للقتل.

الصفحة 196