كتاب مرآة الزمان في تواريخ الأعيان (اسم الجزء: 13)

فطرب وقال: أيُّكم يُجيزه بمثله وله عشرةُ آلاف درهم؟ فما أَجازه أحد، وكان على رأسه خادمٌ واقف، فدخل على عنانَ فأخبرها، فقالت في الحال:
هيَّجتَ بالقول الذي قد قلتَه ... داءً بقلبي لا يزال دَفينا
قد أَينَعَتْ ثَمرَاتُه وتضاعفَتْ ... وسُقينَ من ماء الهوى فرَوينا
كذَبَ الذين تقوَّلوا يا سيِّدي ... إنَّ القلوبَ إذا هَوينَ هوينا
فقال: قد أجازه شخص، وأَنشده الأبيات، فقال: وَيحَك لمن هذا؟ قال: لعِنان، فبعث فاشتراها في الحال بمئة ألفِ درهم (¬1).
وكان الرشيدُ قد هجر عنان، فكتبت إليه تقول: [من الخفيف]
كُنْتُ في ظلِّ نعمةٍ بهواكا ... آمِنًا منك ما أخاف جَفاكا
فسعى بيننا الوُشاةُ فأقْرَرْ ... تَ عيون الوشاةِ بي فهَناكا
ولَعَمري بغير ما كان أولى ... بك في الحقِّ ما جُعلتُ فداكا
فرضي عنها.
ومن شِعر الرشيد: [من السريع]
ملكتُ مَن أصبح لي مالكًا ... لكنَّه في مُلْكه ظالمُ
لو شئت لاجتاحَتْه (¬2) لي قُدرةٌ ... لكن حكمَ الحبِّ لي لازم
أحببتُه من بين هذا الورى ... وهو بحبِّي عارفٌ عالم
ودخل أبو العَتاهِية على الرشيد، فقال له: يا أبا العتاهية، أنشِدني، فأنشده: [من البسيط]
لا تأمَنِ الموتَ في طرفٍ وفي نَفَسِ ... ولو تستَّرتَ (¬3) بالحجَّاب والحَرَسِ
واعلمْ بأنَّ سهام الموت قاصِدَةٌ ... لكلِّ مُدَّرع منَّا ومُتَّرِس
ترجو النجاةَ ولم تَسْلُكْ مسالكَها ... إنَّ السفينة لا تجري على اليَبَس
¬__________
(¬1) في العقد الفريد 6/ 58: فاشتراها منه بثلاثين ألفًا.
(¬2) الديارات للشابشتي ص 226: لاستاقته. وهي أنسب في المعنى.
(¬3) في الديوان ص 194: تمنعت.

الصفحة 203