كتاب مرآة الزمان في تواريخ الأعيان (اسم الجزء: 13)
وقال مسرور: لمَّا سار هارونُ إلى خُراسان، مرَّ في طريقه على قصرٍ خَراب، فنزل يَستظِلُّ به، فإذا على حائطه مكتوبٌ [هذه الأبيات] (¬1): [من الكامل]
هل أنت مُعْتَبِرٌ بمَن خَابَتْ ... منه غَداةَ مضى دَساكِرُهُ (¬2)
وبمَن خَلَت منه أَسِرَّته ... وبمَن خَلَت منه مَنابره
وبمَن أذلَّ الدَّهرَ مَصْرَعُه ... فتَبرَّأت منه عَساكره
يا مؤثِرَ الدُّنيا للَذَّتِه ... والمُسْتَعِدَّ لمَن يُفاخِرُه
أين الملوكُ وأين جُندُهمُ ... صاروا مَصيرًا أنت صائره
نَلْ ما بدا لك أن تَنال ... من الدُّنيا فإنَّ الموتَ آخِرُه
فبكى وانكسر وقال: {وَقُلْ جَاءَ الْحَقُّ وَزَهَقَ الْبَاطِلُ} [الإسراء: 81] فمات بعد أيَّام.
[وقال الهيثم: ] (¬3) لمَّا احتُضِرَ قال للعبَّاس بنِ موسى بنِ عيسى: يا عباس، إنِّي أجد في علمنا المُنْدَرِس: [من المجتث]
إنِّي بطُوسٍ مُقيمُ ... ما لي بطوسٍ حَميمُ
أرجو إلهي لِمَا بي ... فإنَّه بي رَحيم
لقد أتى بيَ طوسًا ... قضاؤه المَحْتوم
وليس إلَّا رضائي ... والصَّبرُ والتَّسليم (¬4)
ثم قال: اِحفروا لي قبرًا قبل أن أموت، فحفروا له في البستان وحملوه في مِحَفَّة (¬5)، فجلس على شفيره، ونظر في قعره وقال: ويحك يا ابنَ آدمَ تصير إلى هذا! ثم أمر قومًا فختموا فيه القرآن.
[وفي رواية: ] أَلبِسوني المُسوح، فألبسوه، فقال: يا مَن لا يزول مُلْكُه، ارحم مَن
¬__________
(¬1) ما بين حاصرتين من (ب). والأبيات لأبي العتاهية، وهي في ديوانه ص 180 - 181.
(¬2) الدَّسكرة: بناء كالقصر حوله بيوت، وبيوت الأعاجم يكون فيه الشراب والملاهي. القاموس المحيط (دسكر).
(¬3) ما بين حاصرتين من (ب).
(¬4) المنتظم 9/ 231، والبداية والنهاية 14/ 46 - 47 دون نسبة.
(¬5) مركب للنساء كالهودج. القاموس المحيط (حفف).