كتاب مرآة الزمان في تواريخ الأعيان (اسم الجزء: 13)
قد زال ملكه. ثم جعل يبكي ويقول. واسوءتاه من رسول الله - صلى الله عليه وسلم -، وجعل يقبِّل أكفانَه ويبكي ويقول: {مَا أَغْنَى عَنِّي مَالِيَهْ (28) هَلَكَ عَنِّي سُلْطَانِيَهْ} [الحاقة: 28 - 29] اللهمَّ ارحم غُربتي، وأَعنِّي على صَرعتي، وأنشد يقول: [من الخفيف]
أنا مَيْتٌ وعزَّ مَن لا يموتُ ... قد تيقَّنتُ أنَّني سأموتُ
ليس مُلْكٌ يُزيلُه الموتُ مُلْكًا ... إنَّما المُلك مُلكُ مَن لا يموت (¬1)
وقال سَهْلُ بن صاعد: كنت عند الرشيدِ وهو يَجود بنفسه ويقاسمي ما يقاسي، فنهضت، فقال: اقعُدْ يا سهل، فقلت: يا أميرَ المؤمنين، ما يتَّسع قلبي أن أرى أميرَ المؤمنين يعاني ما يعاني، فقال: إنِّي لأَذكر في هذا الحالِ قولَ الشاعر: [من الطويل]
وإنِّي لمن قومٍ كرامٍ يَزيدهم ... شِماسًا وصَبْرًا شِدَّةُ الحَدَثانِ (¬2)
وحضر وفاتَه الفَضْلُ بن الربيع وإسماعيلُ بن صَبِيح، ومِن خدمه مَسرورٌ وحسينٌ ورشيد، وصلَّى عليه ابنُه صالح، ودُفن في بستان حميد (¬3)، ويقال للمكان: المثقَّب.
[واختلفوا في وفاته، فقال الواقدي: ] (¬4) ليلةَ السبت لثلاثٍ خَلَون من جُمادى الآخرةِ سنة ثلاثٍ وتسعين ومئة. [وقال هشام: ] (¬5) ليلةَ الأحد غُرَّةَ جُمادى الآخرة. وقيل: غُرَّةَ جمادى الأولى.
[واختلفوا في سِنِّه على أقوال: أحدُها: أنَّه] عاش سبعًا وأربعين سنة [وخمسةَ أشهرٍ وخمسة أيام. والثاني خمسًا وأربعين سنة. والثالث: ستةً وأربعين سنة. والرابع: تسعًا وأربعين سنة] والاعتماد في هذه الأقوالِ على تصححيح مولِده. [وقد ذكرناه عند ولايتِه الخلافة.
¬__________
(¬1) المنتظم 9/ 231، والبيتان لعمر بن عبد العزيز كما في الداية والنهاية 12/ 707.
(¬2) تاريخ الطبري 8/ 345، وابن الأثير 6/ 213، والبيت لعبد الرحمن بن حسان كما في شرح المرزوقي 2/ 685.
(¬3) في (ب): بستان بن حميد بن غانم، والمثبت من (خ). وهو حميد بن أبي غانم كما في تاريخ الطبري 8/ 345، والبداية والنهاية 14/ 27.
(¬4) في (خ): وكانت وفاته.
(¬5) في (خ): وقيل. وما سيأتي بين حاصرتين من (ب).