كتاب السنن (المعروف بالسنن الكبرى) للنسائي - ط التأصيل (اسم الجزء: 13)
قَالَ أَبو هُرَيرَةَ: فَمَا لَقِينَا مِنْهُمْ أَحَدًا إِلاَّ فَعَلْنَا بِهِ كَذَا وَكَذَا، وَجَاءَ أَبو سُفيانَ، فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللهِ، أَبَحْتَ خَضْرَاءَ قُرَيْشٍ، لا قُرَيْشَ بَعْدَ اليَوْمِ.
قَالَ رَسُولُ اللهِ صَلى الله عَليه وسَلم: مَنْ أَغْلَقَ بَابَهُ فَهُوَ آمِنٌ، وَمَنْ دَخَلَ دَارَ أَبي سُفيانَ فَهُوَ آمِنٌ، وَمَنْ أَلْقَى السِّلاحَ فَهُوَ آمِنٌ، وَلَجَأَتْ صَنَادِيدُ قُرَيْشٍ وَعُظَمَاؤُهَا إِلَى الكَعْبَةِ، يَعْنِي دَخَلُوا فِيهَا، قَالَ: فَجَاءَ رَسُولُ اللهِ صَلى الله عَليه وسَلم حَتَّى طَافَ بِالبَيْتِ، فَجَعَلَ يَمُرُّ بِتِلْكَ الأَصْنَامِ، فَيَطْعَنُهَا بِسِيَةِ القَوْسِ وَيَقُولُ: {جَاءَ الحَقُّ وَزَهَقَ البَاطِلُ إِنَّ البَاطِلَ كَانَ زَهُوقًا} حَتَّى إِذَا فَرَغَ وَصَلَّى، جَاءَ فَأَخَذَ بِعَضَادَتَيِ البَابِ، ثُمَّ قَالَ: يَا مَعْشَرَ قُرَيْشٍ، مَا تَقُولُونَ؟ قَالُوا: نَقُولُ: ابنُ أَخٍ، وَابْنُ عَمٍّ، رَحِيمٌ كَرِيمٌ، ثُمَّ عَادَ عَلَيْهِمُ القَوْلَ، قَالُوا مِثْلَ ذَلِكَ، قَالَ: فَإِنِّي أَقُولُ كَمَا قَالَ أَخِي يُوسُفُ: {لا تَثْرِيبَ عَلَيْكُمُ اليَوْمَ يَغْفِرُ اللهُ لَكُمْ وَهُو أَرْحَمُ الرَّاحِمِينَ} فَخَرَجُوا فَبَايَعُوهُ عَلَى الإِسلامِ.
ثُمَّ أَتَى الصَّفَا لِمِيعَادِ الأَنْصَارِ، فَقَامَ عَلَى الصَّفَا عَلَى مَكَانٍ يَرَى البَيْتَ مِنْهُ، فَحَمِدَ اللهُ وَأَثْنَى عَلَيْهِ، وَذَكَرَ نَصْرَهُ إِيَّاهُ، فَقَالَتِ الأَنْصَارُ، وَهُمْ أَسْفَلُ مِنْهُ: أَمَّا الرَّجُلُ فَقَدْ أَدْرَكَتْهُ رَأْفَةٌ لِقَرَابَتِهِ، وَرَغْبَتُهُ فِي عَشِيرَتِهِ، فَجَاءَهُ الوَحْيُ بِذَلِكَ، قَالَ أَبو هُرَيرَةَ: وَكَانَ رَسُولُ اللهِ صَلى الله عَليه وسَلم إِذَا جَاءَهُ الوَحْيُ لَمْ يَسْتَطِعْ أَحَدٌ مِنَّا يَرْفَعُ طَرْفَهُ إِلَيْهِ، حَتَّى يَنْقَضِيَ الوَحْيُ عَنهُ، فَلَمَّا قُضِيَ الوَحْيُ، قَالَ: هِيهِ يَا مَعْشَرَ الأَنْصَارِ، أقُلْتُمْ: أَمَّا الرَّجُلُ، فَأَدْرَكْتُهُ رَأْفَةٌ بِقَرَابَتِهِ، وَرَغْبَةٌ فِي عَشِيرَتِهِ، وَاللهِ إِنِّي لَرَسُولُ اللهِ، لَقَدْ هَاجَرْتُ إِلَى اللهِ، ثُمَّ إِلَيْكُمُ، المَحْيَا مَحْيَاكُمْ، وَالمَمَاتُ مَمَاتُكُمْ، قَالَ أَبو هُرَيرَةَ: فَرَأَيْتُ الشِّيُوخَ يَبْكُونَ، حَتَّى بَلَّ الدُّمُوعُ لِحَاهُمْ، ثُمَّ قَالُوا: مَعْذِرَةً إِلَى اللهِ وَرَسُولِهِ، وَاللهِ مَا قُلْنَا الذي قلنا إِلاَّ ضَنًّا بِاللهِ وَبِرَسُولِهِ، قَالَ: فَإِنَّ اللهَ قَدْ صَدَقَكُمْ وَرَسُولُهُ، وَقَبِلَ قَوْلَكُمْ.
الصفحة 230