كتاب السنن (المعروف بالسنن الكبرى) للنسائي - ط التأصيل (اسم الجزء: 13)

فَبَصُرَتْ بِهِ أُخْتُهُ عَن جُنُبٍ، وَالجُنُبُ: أَنْ يَسْمُوَ بَصَرُ الإِنْسَانِ إِلَى الشَّيْءِ البَعِيدِ، وَهُوَ إِلَى نَاحِيَةٍ لا يُشْعَرُ بِهِ، فَقَالَتْ مِنَ الفَرَحِ، حِينَ أَعْيَاهُمُ الظُّؤُورَاتُ: أَنَا أَدُلُّكُمْ عَلَى أَهْلِ بَيْتٍ يَكْفُلُونَهُ لَكُمْ وَهُمْ لَهُ نَاصِحُونَ، فَأَخَذُوهَا، فَقَالُوا: مَا يُدْرِيكَ مَا نُصْحُهُمْ؟ هَلْ تَعْرِفُونَهُ؟ حَتَّى شَكُّوا فِي ذَلِكَ، وَذَلِكَ مِنَ الفُتُونِ يَا ابنَ جُبَيرٍ، فَقَالَتْ: نَصِيحَتُهُمْ لَهُ، وَشَفَقَتُهُمْ عَلَيْهِ، رَغْبَتُهُمْ فِي صِهْرِ المَلِكِ، وَرَجَاءَُ مَنْفَعَةِ المَلِكِ، فَأَرْسَلُوهَا، فَانْطَلَقَتْ إِلَى أُمِّهَا، فَأَخبَرَتْهَا الخَبَرَ، فَجَاءَتْ أُمُّهُ، فَلَمَّا وَضَعَتْهُ فِي حِجْرِهَا، ثَوَى إِلَى ثَدْيِهَا فَمَصَّهُ، حَتَّى امْتَلأَ جَنْبَاهُ رِيًّا، وَانْطَلَقَ البُشَرَاءُ إِلَى امْرَأَةِ فِرْعَوْنَ يُبَشِّرُونَهَا، أَنْ قَدْ وَجَدْنَا لاِبْنِكِ ظِئْرًا، فَأَرْسَلَتْ إِلَيْهَا، فَأَتَتْ بِهَا وَبِهِ، فَلَمَّا رَأَتْ مَا يَصْنَعُ، قَالَتْ: امْكُثِي تُرْضِعِي ابنِي هَذَا، فَإِنِّي لَمْ أُحِبَّ شَيْئًا حُبَّهُ قَطُّ، قَالَتْ أُمُّ مُوسَى: لا أَسْتَطِيعُ أَنْ أَدَعَ بَيْتِي وَوَلَدِي فَيَضِيعَ، فَإِنْ طَابَتْ نَفْسُكِ أَنْ تُعْطِينِيهِ، فَأَذْهَبَ بِهِ إِلَى بَيْتِي، فَيَكُونَ مَعِي، لا آلُوهُ خَيْرًا فَعَلْتُ، فَإِنِّي غَيْرُ تَارِكَةٍ بَيْتِي وَوَلَدِي، وَذَكَرَتْ أُمُّ مُوسَى مَا كَانَ اللهُ وَعَدَهَا، فَتَعَاسَرَتْ عَلَى امْرَأَةِ فِرْعَوْنَ، وَأَيْقَنَتْ أَنَّ اللهَ مُنْجِزٌ مَوْعُودَهُ، فَرَجَعَتْ إِلَى بَيْتِهَا مِنْ يَوْمِهَا، فَأَنْبَتَهُ اللهُ نَبَاتًا حَسَنًا، وَحَفِظَ لِمَا قَدْ قَضَى فِيهِ، فَلَمْ يَزَلْ بَنُو إِسرَائِيلَ، وَهُمْ فِي نَاحِيَةِ القَرْيَةِ، مُمْتَنِعِينَ مِنَ السُّخْرَةِ وَالظُّلْمِ مَا كَانَ فِيهِمْ، فَلَمَّا تَرَعْرَعَ، قَالَتِ امْرَأَةُ فِرْعَوْنَ لأُمِّ مُوسَى: أَزِيرِينِي ابنِي، فَوَعَدَتْهَا يَوْمًا تُزِيرُهَا إِيَّاهُ فِيهِ، وَقَالَتِ امْرَأَةُ فِرْعَوْنَ لِخُزَّانِهَا وَظُؤورِهَا وَقَهَارِمَتِهَا: لا يَبْقَيَنَّ أَحَدٌ مِنْكُمْ إِلاَّ اسْتَقْبَلَ ابنِي اليَوْمَ بِهَدِيَّةٍ وَكَرَامَةٍ، لأَرَى ذَلِكَ فِيهِ، وَأنَا بَاعِثَةٌ أَمِينًا يُحْصِي كُلَّ مَا يَصْنَعُ كُلُّ إِنْسَانٍ مِنْكُمْ، فَلَمْ تَزَلِ الهَدَايَا وَالكَرَامَةُ وَالنِّحَلُ تَسْتَقْبِلُهُ مِنْ حِينِ خَرَجَ مِنْ بَيْتِ أُمِّهِ، إِلَى أَنْ دَخَلَ عَلَى امْرَأَةِ فِرْعَوْنَ، فَلَمَّا دَخَلَ عَلَيْهَا، نَحَلَتْهُ وَأَكْرَمَتْهُ، وَفَرِحَتْ بِهِ، وَنَحَلَتْ أُمَّهُ بِحُسْنِ أَثَرِهَا عَلَيْهِ، ثُمَّ قَالَتْ: لآتِيَنَّ به فِرْعَوْنَ فَلَيَنْحَلَنَّهُ وَلَيُكْرِمَنَّهُ، فَلَمَّا دَخَلَتْ بِهِ عَلَيْهِ، جَعَلَهُ فِي حِجْرِهِ، فَتَنَاوَلَ مُوسَى لِحْيَةَ فِرْعَوْنَ فَمَدَّهَا إِلَى الأَرْضِ،

الصفحة 261