كتاب السنن (المعروف بالسنن الكبرى) للنسائي - ط التأصيل (اسم الجزء: 13)

قَالَ الغُوَاةُ مِنْ أَعْدَاءِ اللهِ لِفِرْعَوْنَ: أَلا تَرَى مَا وَعَدَ اللهُ إِبرَاهِيمَ نَبِيَّهُ، إِنَّهُ زَعَمَ أَنْ يَرُبَّكَ وَيَعْلُوكَ وَيَصْرَعَكَ، فَأَرْسَلَ إِلَى الذَّبَّاحِينَ لِيَذْبَحُوهُ، وَذَلِكَ مِنَ الفُتُونِ يَا ابنَ جُبَيرٍ، بَعْدَ كُلِّ بَلاءٍ ابْتُلِيَ بِهِ، وَأُرِيدَ بِهِ فُتُونًا، فَجَاءَتِ امْرَأَةُ فِرْعَوْنَ، تسعى إلى فِرْعَوْنَ فَقَالَتْ: مَا بَدَا لَكَ فِي هَذَا الغُلامِ الَّذِي وَهَبْتَهُ لِي؟ فَقَالَ: أَلا تَرَيْنَهُ، إِنَّهُ يَزْعُمُ سَيَصْرَعُنِي وَيَعْلُونِي، قَالَتِ: اجْعَلْ بَيْنِي وَبَيْنَكَ أَمْرًا يُعْرَفُ فِيهِ الحَقُّ، ائْتِ بِجَمْرَتَيْنِ وَلُؤْلُؤَتَيْنِ، فَقَرِّبْهُنَّ إِلَيْهِ، فَإِنْ بَطَشَ بِاللُّؤْلُؤِ، وَاجْتَنَبَ الجَمْرَتَيْنِ، عَرَفْتَ أَنَّهُ يَعقِلُ، وَإِنْ تَنَاوَلَ الجَمْرَتَيْنِ، وَلَمْ يُرِدِ اللُّؤْلُؤَتَيْنِ، عَلِمْتَ أَنَّ أَحَدًا لا يُؤْثِرُ الجَمْرَتَيْنِ عَلَى اللُّؤْلُؤَتَيْنِ وَهُوَ يَعقِلُ، فَقُرِّبَ ذَلِكَ إِلَيْهِ، فَتَنَاوَلَ الجَمْرَتَيْنِ، فَنَزَعُوهُمَا مِنْهُ مَخَافَةَ أَنْ يُحْرِقَا يَدَيْهِ، فَقَالَتِ المَرْأَةُ: أَلا تَرَى؟! فَصَرَفَهُ اللهُ عَنهُ بَعْدَ مَا كَانَ قَدْ هَمَّ بِهِ، وَكَانَ اللهُ بَالِغًا فِيهِ أَمْرَهُ، فَلَمَّا بَلَغَ أَشُدَّهُ، وَكَانَ مِنَ الرِّجَالِ، لَمْ يَكُنْ أَحَدٌ مِنْ آلِ فِرْعَوْنَ يَخْلُصُ إِلَى أَحَدٍ مِنْ بَنِي إِسرَائِيلَ مَعَهُ بِظُلْمٍ وَلا سُخْرَةٍ، حتى امْتَنَعُوا كُلَّ الاِمْتِنَاعِ، فَبَيْنَمَا مُوسَى عَلَيْهِ السَّلامُ يَمْشِي فِي نَاحِيَةِ المَدِينَةِ، إِذا هُوَ بِرَجُلَيْنِ يَقْتَتِلانِ، أَحَدُهُمَا فِرْعَوْنِيٌّ، وَالآخَرُ إِسرَائِيلِيٌّ، فَاسْتَغَاثَهُ الإِسرَائِيلِيُّ عَلَى الفِرْعَوْنِيِّ، فَغَضِبَ مُوسَى عَلَيْهِ السَّلامُ غَضَبًا شَدِيدًا، لأَنَّهُ تَنَاوَلَهُ، وَهُوَ يَعْلَمُ مَنْزِلَهُ مِنْ بَنِي إِسرَائِيلَ، وَحِفْظَهُ لَهُمْ، لا يَعْلَمُ النَّاسُ إِلاَّ أَنَّمَا ذَلِكَ مِنَ الرَّضَاعِ إِلاَّ أُمُّ مُوسَى، إِلاَّ أَنْ يَكُونَ اللهُ سُبْحَانَهُ أَطْلَعَ مُوسَى عَلَيْهِ السَّلامُ مِنْ ذَلِكَ عَلَى مَا لَمْ يُطْلِعْ عَلَيْهِ غَيْرَهُ، فوَكَزَ مُوسَى الفِرْعَوْنِيَّ، فَقَتَلَهُ، وَلَيْسَ يَرَاهُمَا أَحَدٌ إِلاَّ اللهُ عَزَّ وَجَلَّ وَالإِسرَائِيلِيُّ، فَقَالَ مُوسَى حِينَ قَتَلَ الرَّجُلَ: {هَذَا مِنْ عَمَلِ الشَّيْطَانِ إِنَّهُ عَدُوٌّ مُضِلٌّ مُبِينٌ}، ثُمَّ قَالَ: {رَبِّ إِنِّي ظَلَمْتُ نَفْسِي فَاغْفِرْ لِي فَغَفَرَ لَهُ إِنَّهُ هُوَ الغَفُورُ الرَّحِيمُ} {فَأَصْبَحَ فِي المَدِينَةِ خَائِفًا يَتَرَقَّبُ} الأَخبَارَ، فَأُتِيَ فِرْعَوْنُ، فَقِيلَ لَهُ: إِنَّ بَنِي إِسرَائِيلَ قَتَلُوا رَجُلاً مِنْ آلِ فِرْعَوْنَ، فَخُذْ لَنَا بِحَقِّكَ، وَلا تُرَخِّصْ لَهُمْ، فَقَالَ: ابْغُونِي قَاتِلَهُ مَنْ شَهِدَ عَلَيْهِ، فَإِنَّ المَلِكَ وَإِنْ كَانَ صَفْوُهُ مَعَ قَوْمِهِ، لا يَسْتَقِيمُ لَهُ أَنْ يَقِيدَ بِغَيْرِ بَيِّنَةٍ، وَلا ثَبْتٍ، فَاطْلُبُوا لِي عِلْمَ ذَلِكَ، آخُذْ لَكُمْ بِحَقِّكُمْ،

الصفحة 263