كتاب السنن (المعروف بالسنن الكبرى) للنسائي - ط التأصيل (اسم الجزء: 13)
فَبَيْنَمَا هُمْ يَطُوفُونَ لا يَجِدُونَ ثَبْتًا، إِذَا مُوسَى مِنَ الغَدِ قَدْ رَأَى ذَلِكَ الإِسرَائِيلِيَّ يُقَاتِلُ رَجُلاً مِنْ آلِ فِرْعَوْنَ آخَرَ، فَاسْتَغَاثَهُ الإِسرَائِيلِيُّ عَلَى الفِرْعَوْنِيِّ، فَصَادَفَ مُوسَى قَدْ نَدِمَ عَلَى مَا كَانَ مِنْهُ، وَكَرِهَ الَّذِي رَأَى، فَغَضِبَ الإِسرَائِيلِيُّ وَهُوَ يُرِيدُ أَنْ يَبْطِشَ بِالفِرْعَوْنِيِّ، فَقَالَ لِلإِسرَائِيلِيِّ لِمَا فَعَلَ أَمْسِ وَاليَوْمَ: {إِنَّكَ لَغَوِيٌّ مُبِينٌ} فَنَظَرَ الإِسرَائِيلِيُّ إِلَى مُوسَى عَلَيْهِ السَّلامُ بَعْدَ مَا قَالَ لَهُ مَا قَالَ، فَإِذْ هُوَ غَضْبَانُ كَغَضَبِهِ بِالأَمْسِ الَّذِي قَتَلَ فِيهِ الفِرْعَوْنِيَّ، فَخَافَ أَنْ يَكُونَ بَعْدَ مَا قَالَ لَهُ: {إِنَّكَ لَغَوِيٌّ مُبِينٌ} أَنْ يَكُونَ إِيَّاهُ أَرَادَ، وَإِنَّمَا أَرَادَ الفِرْعَوْنِيَّ، فَخَافَ الإِسرَائِيلِيُّ وَقَالَ: {يَا مُوسَى أَتُرِيدُ أَنْ تَقْتُلَنِي كَمَا قَتَلْتَ نَفْسًا بِالأَمْسِ}، وَإِنَّمَا قَالَ لَهُ مَخَافَةَ أَنْ يَكُونَ إِيَّاهُ أَرَادَ مُوسَى لِيَقْتُلَهُ، فَتَتَارَكَا، وَانْطَلَقَ الفِرْعَوْنِيُّ فَأَخبَرَهُمْ بِمَا سَمِعَ مِنَ الإِسرَائِيلِيِّ مِنَ الخَبَرِ حِينَ يَقُولُ: {يَا مُوسَى أَتُرِيدُ أَنْ تَقْتُلَنِي كَمَا قَتَلْتَ نَفْسًا بِالأَمْسِ}، فَأَرْسَلَ فِرْعَوْنُ الذَّبَّاحِينَ لِيَقْتُلُوا مُوسَى، فَأَخَذَ رُسُلُ فِرْعَوْنَ الطَّرِيقَ الأَعْظَمَ، يَمْشُونَ عَلَى هَيْنتِهِمْ، يَطْلُبُونَ مُوسَى وَهُمْ لا يَخَافُونَ أَنْ يَفُوتَهُمْ، فَجَاءَ رَجُلٌ مِنْ شِيعَةِ مُوسَى مِنْ أَقْصَى المَدِينَةِ، فَاخْتَصَرَ طَرِيقًا، حَتَّى سَبَقَهُمْ إِلَى مُوسَى، فَأَخبَرَهُ الخَبَرَ، وَذَلِكَ مِنَ الفُتُونِ يَا ابنَ جُبَيرٍ، فَخَرَجَ مُوسَى مُتَوَجِّهًا نَحْوَ مَدْيَنَ، لَمْ يَلْقَ بَلاءً قَبْلَ ذَلِكَ، وَلَيْسَ لَهُ بالطريق عِلْمٌ، إِلاَّ حُسْنُ ظَنِّهِ بِرَبِّهِ تَعَالَى، فَإِنَّهُ: {قَالَ عَسَى رَبِّي أَنْ يَهْدِيَنِي سَوَاءَ السَّبِيلِ وَلَمَّا وَرَدَ مَاءَ مَدْيَنَ وَجَدَ عَلَيْهِ أُمَّةً مِنَ النَّاسِ يَسْقُونَ وَوَجَدَ مِنْ دُونِهِمُ امْرَأَتَيْنِ تَذُودَانِ} يَعْنِي بِذَلِكَ حَابِسَتَيْنِ غَنَمَهُمَا، فَقَالَ لَهُمَا: مَا خَطْبُكُمَا مُعْتَزِلَتَيْنِ لا تَسْقِيَانِ مَعَ النَّاسِ؟ فَقَالَتَا: لَيْسَ لَنَا قُوَّةٌ نُزَاحِمُ القَوْمَ، وَإِنَّمَا نَنْتَظِرُ فُضُولَ حِيَاضِهِمْ، فَسَقَى لَهُمَا، فَجَعَلَ يَغْتَرِفُ فِي الدَّلْوِ مَاءً كَثِيرًا، حَتَّى كَانَ أَوَّلَ الرِّعَاءِ، وَانْصَرَفَتَا بِغَنَمِهِمَا إِلَى أَبيهِمَا، وَانْصَرَفَ مُوسَى عَلَيْهِ السَّلامُ فَاسْتَظَلَّ بِشَجَرَةٍ، وَقَالَ: {رَبِّ إِنِّي لِمَا أَنْزَلْتَ إِلَيَّ مِنْ خَيْرٍ فَقِيرٌ} وَاسْتَنْكَرَ أَبوهُمَا سُرْعَةَ صُدُورِهِمَا بِغَنَمِهِمَا حُفَّلاً بِطَانًا، فَقَالَ: إِنَّ لَكُمَا اليَوْمَ لَشَأْنًا، فَأَخبَرَتَاهُ بِمَا صَنَعَ مُوسَى، فَأَمَرَ إِحْدَاهُمَا أَنْ تَدْعُوَهُ،
الصفحة 264