كتاب السنن (المعروف بالسنن الكبرى) للنسائي - ط التأصيل (اسم الجزء: 13)
فَانْدَفَعَ مُوسَى بِعَصَاهُ، حَتَّى لَقِيَ هَارُونَ عَلَيْهِ السَّلامُ، فَانْطَلَقَا جَمِيعًا إِلَى فِرْعَوْنَ، فَأَقَامَا عَلَى بَابِهِ حِينًا لا يُؤْذَنُ لَهُمَا، ثُمَّ أَذِنَ لَهُمَا بَعْدَ حِجَابٍ شَدِيدٍ، فَقَالا: إِنَّا رَسُولا رَبِّكَ، قَالَ: فَمَنْ رَبُّكَمَا؟ فَأَخبَرَاهُ بِالَّذِي قَصَّ اللهُ عَلَيْكَ فِي القُرْآنِ، قَالَ: فَمَا تُرِيدَانِ، وَذَكَّرَهُ القَتِيلَ، فَاعْتَذَرَ بِمَا قَدْ سَمِعْتَ، قَالَ: أُرِيدُ أَنْ تُؤْمِنَ بِاللهِ، وَتُرْسَلَ مَعِي بَنِي إِسرَائِيلَ، فَأَبَى عَلَيْهِ، وَقَالَ: ائْتِ بِآيَةٍ إِنْ كُنْتَ مِنَ الصَّادِقِينَ، فَأَلْقَى عَصَاهُ، فَإِذَا هِيَ حَيَّةٌ عَظِيمَةٌ فَاغِرَةٌ فَاهَا مُسْرِعَةٌ إِلَى فِرْعَوْنَ، فَلَمَّا رَآهَا فِرْعَوْنُ قَاصِدَةً إِلَيْهِ خَافَهَا، فَاقْتَحَمَ عَن سَرِيرِهِ، وَاسْتَغَاثَ بِمُوسَى أَنْ يَكُفُّهَا عَنهُ، فَفَعَلَ، ثُمَّ أَخْرَجَ يَدَهُ مِنْ جَيْبِهِ، فَرَآهَا بَيْضَاءَ مِنْ غَيْرِ سُوءٍ، يَعْنِي مِنْ غَيْرِ بَرَصٍ، ثُمَّ رَدَّهَا، فَعَادَتْ إِلَى لَوْنِهَا الأَوَّلِ، فَاسْتَشَارَ المَلأَ حَوْلَهُ فِيمَا رَأَى، فَقَالُوا لَهُ: هَذَانِ سَاحِرَانِ يُرِيدَانِ أَنْ يُخْرِجَاكُمْ مِنْ أَرْضِكُمْ بِسِحْرِهِمَا، وَيَذْهَبَا بِطَرِيقَتِكُمُ المُثْلَى، يَعْنِي مُلْكَهُمُ الَّذِي هُمْ فِيهِ وَالعَيْشَ، فَأَبَوْا عَلَى مُوسَى أَنْ يُعْطُوهُ شَيْئًا مِمَّا طَلَبَ، وَقَالُوا لَهُ: اجْمَعْ لَهُمَا السَّحَرَةَ، فَإِنَّهُمْ بِأَرْضِكَ كَثِيرٌ، حَتَّى تغْلِبَ بسِحْرُكَ سِحْرَهُمَا، فَأَرْسَلَ فِي المَدَائِنِ، فَحشر لَهُ كُلُّ سَاحِرٍ مُتَعَالِمٍ، فَلَمَّا أَتَوْا فِرْعَوْنَ قَالُوا: بِمَ يَعْمَلُ هَذَا السَّاحِرُ؟ قَالُوا: يَعْمَلُ بِالحَيَّاتِ، قَالُوا: فَلا وَاللهِ، مَا أَحَدٌ فِي الأَرْضِ يَعْمَلُ بِالسِّحْرِ بِالحَيَّاتِ وَالحِبَالِ وَالعِصِيِّ الَّذِي نَعْمَلُ، وَمَا أَجْرُنَا إِنْ نَحْنُ غَلَبْنَا؟ قَالَ لَهُمْ: أَنْتُمْ أَقَارِبِي وَخَاصَّتِي، وَأنَا صَانِعٌ إِلَيْكُمْ كُلَّ شَيْءٍ أَحْبَبْتُمْ، فَتَوَاعَدُوا يَوْمَ الزِّينَةِ، وَأَنْ يُحْشَرَ النَّاسُ ضُحًى.
قَالَ سَعِيدٌ: فَحَدَّثني ابنُ عَبَّاسٍ، أَنَّ يَوْمَ الزِّينَةِ، اليَوْمَ الَّذِي أَظْهَرَ اللهُ فِيهِ مُوسَى عَلَى فِرْعَوْنَ وَالسَّحَرَةِ، هُوَ يَوْمُ عَاشُورَاءَ، فَلَمَّا اجْتَمَعُوا فِي صَعِيدٍ، قَالَ النَّاسُ بَعْضُهُمْ لِبَعْضٍ: انْطَلِقُوا فَلْنَحْضُرْ هَذَا الأَمْرَ، لَعَلَّنَا نَتَّبِعَ السَّحَرَةَ إِنْ كَانُوا هُمُ الغَالِبِينَ، يَعْنُونَ مُوسَى وَهَارُونَ، اسْتِهْزَاءً بِهِمَا،
الصفحة 267